النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

سيّدي الرئيس... وداعًا 1 /‏ 2

رابط مختصر
العدد 11070 الأربعاء 31 يوليو 2019 الموافق 28 ذو القعدة 1440

 كنت في اجتماعِ عملٍ حين وصلني خبر وفاة الرئيس التونسي الراحل محمد الباجي قائد السبسي صباح الخميس 25 يوليو 2019. لا أدري ما المشاعر التي انتابتني نحو الفقيد بالضبط! لأوّل مرة لا أفهم مشاعري! خفت من المجهول؟ ربما... أشفقت عليه! اللهم لا رادّ لقضائك... حقّا لا أعرف!!. عدت إلى التركيز في عملي، لكنّ شريطا طويلا من الذكريات أخذني. ولاسيما ذكريات زيارة الرئيس الراحل إلى مملكة البحرين مطلع يناير 2016، شريط انتقال السلطة الرئاسية في تونس، وشريط آخر من الأحداث والذكريات.. جعلتني في الأخير أقول: وداعًا... سيّدي الرئيس. 

فقد حظينا نحن أبناء الجالية التونسية في مملكة البحرين الحبيبة في تلك الفترة بلقاء مباشر مع رئيسنا الراحل محمّد الباجي قائد السبسي الذي أدّى زيارة تاريخية إلى مملكة البحرين استجابة للدعوة الرسمية من أخيه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه ملك البحرين وذلك بين يومي 27 و28 يناير 2016م.

 ترقّبنا، ونحن في بهو قاعة الانتظار بقصر القضيبية، طويلاً حتى خرج علينا الرئيس الراحل لنراه رأي العين على بعد أمتار... لا أذكر أشدّ من ذلك الموقف هيبة.. صمتنا وأصغينا إلى النشيد الوطنيّ.. ثم غرقنا في صمتنا وذهولنا وتوقيرنا وخوفنا وحبّنا... حتى كسر الرئيس حاجز الصمت، وبدّد تلك المشاعر ببعض كلماته المحلية الطريفة، فأخرجنا ممّا نحن فيه إلى حالة من الألفة مع المكان والشخصيّة.

 كنت أسمع كثيراً عن رئيس له كاريزما، حتى رأيتها تتجلى في الرئيس الراحل، أمّا غيري فقد رأى أمامه ذلك السياسي المحنّك الذي نفض عنه غبار النسيان والإقصاء ولبّى نداء الطبقة السياسية وهي في أوج العاصفة سنة 2011 ليتسلم رئاسة الحكومة التونسية أياماً بعد الثورة ويؤمّن انتخابات ديمقراطية تكللت بانتخاب مجلس تأسيسي. ثمّ ليشارك في انتخابات رئاسية سنة 2014 ويفوز بها في جولتها الثانية رغم المنافسة الشديدة من الرئيس السابق السيد محمد المنصف المرزوقي. نعم قد يكون من أبرز الفوارق بين الرئيسين المنتخبين في تاريخ تونس هو هذه الكاريزما.

بعد أن أثنى على القيادة الحكيمة في مملكة البحرين وعلى حسن وفادتها للجالية التونسية، وبعد أن أكّد على عمق العلاقة الأخوية التي تجمعه بأخيه جلالة الملك، ومتانة الروابط التي تجمع الشعبين البحريني والتونسي... تطرّق، رحمه الله، إلى الوضع في تونس... وقد كان خلال كل ذلك يراوح بين الجدّ والهزل، والتطمين والتخويف... بعد ذلك توقّعتُ انصرافه بحكم أنّ الكلمة طالت نوعًا ما وبحكم تقدمه في السنّ. لكنّ الرئيس الراحل جال بين أفراد الجالية وصافحهم واحداً واحدا. 

لقد وقف مع كل فرد من الحاضرين - ولم يكن عددهم قليلاً - وجذب أطراف الحديث مع هذا وذاك، وكما يحصل التعارف بين الناس وجدتُه مثلا يسأل واحداً من أفراد الجالية، بعد أن عرف اسمه ولقبه، إن كان له بــ (فلان) صلة قرابة... ومع آخر كان يسأله مثلاً عن وضعه في عمله في البحرين، وكان في كل ذلك لا تفوته الطرفة والابتسامة. وحتّى حين طلب سعادة السفير آنذاك من الجالية تسريع المصافحة لاكتظاظ برنامج السيد الرئيس، أبى إلا أن يصافح الجميع وبنفس المقدار من الحفاوة.

ومن طريف المواقف التي لا تنسى أنّ سيدة من أفراد الجالية التونسية، كانت تحب الرئيس الراحل لأسباب كثيرة من أهمّها كونه من نفس منطقة سكنها في تونس، فلمّا وصل إليها رحّبت به وذكرت له أنهما أجوار في السكن في تونس، طبعًا قبل أن يصبح رئيساً، وأخذا يتبادلان أسماء الجيران في ابتسامات متبادلة، فتعود به الذاكرة حينًا إلى هذا وطورًا إلى ذاك... ثم طلبت منه أن تقبّله لأنها ترى فيه أبًا لكلّ التوانسة... فكان لها ما أرادت... 

وحين وصل دوري لمصافحته لم أجد بعد الترحيب به من كلمة سوى قولي: «إنّ تونس أمانة بين يديك سيّدي الرئيس» وكنت أنتظر أن يقول لي مثلاً: «آه يا ولدي لقد كبرت وهي الآن أمانة في يدكم». إلا أنّه نظر إليّ وقال بنبرة المتحدّي: «إي نعم يا ولدي أمانة صعيبة، واحنا ليها وربي يقدرنا عليها».

 قد نختلف معه في المواقف، وقد نتفق، لكن لم يختلف كلّ التونسيين في إبداء أسفهم وحسرتهم على فراق رئيسهم الذي أحبّوه رغم أنهم ربما لم ينتخبوه، ولكنه أقنعهم أكثر بعد أن انتخبوه. ويكفي تونس فخراً أنها حازت جائزة نوبل للسلام سنة 2015 بعد أن أشرف هو على الحوار الوطني بين الأطراف الفاعلة في البلاد دون أن يتدخّل ليخرجوا جميعاً من مأزق سياسي خطير في تلك الفترة من تاريخ تونس. 

رحم الله فقيدنا وأسكنه الله فسيح جنّاته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها