النسخة الورقية
العدد 11174 الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 الموافق 15 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:32AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

أحمد إبراهيم عبيد وثقافة جيل

رابط مختصر
العدد 11070 الأربعاء 31 يوليو 2019 الموافق 28 ذو القعدة 1440

استجاب المربي الفاضل الأستاذ أحمد إبراهيم محمد عبيد لنداء الباري عز وجل، وفاضت روحه الطاهرة إلى بارئها لتطوى صفحة من تاريخ المكتبات بالبحرين. كان المرحوم أحد رجالتها، إذ كان والده المغفور له بإذن الله تعالى إبراهيم محمد عبيد من أوائل منشئ المكتبات، وهو صاحب المكتبة الوطنية التي أنشئت عام 1929م في سوق القيصرية بالمحرق ونقلها إلى المنامة عام 1937م في شارع باب البحرين بالمنامة ومن أوائل منشئ المكتبات المرحوم سلمان كمال صاحب المكتبة الكمالية ومكتبة المؤيد لصاحبها مؤيد أحمد المؤيد وتلتها مكتبة الماحوزي ومكتبة البحرين للمرحوم محمد عبدالرحمن المهزع، ثم مكتبة العليوات بالإضافة إلى مكتبة المعارف التي تتبع إدارة التربية والتعليم ثم وزارة التربية والتعليم. كان المرحوم أحمد إبراهيم عبيد طفلاً، حيث قال إنه عمل مع والده في المكتبة وعمره 5 سنوات عام 1942م عندما كلّفه والده بالقيام بشؤون المكتبة الوطنية وبعد وفاة والده 1961م أسلم قيادتها لشقيقه فاروق إبراهيم عبيد الذي تواصل في تطويرها إلى اليوم مع إخوانه.

انشغل المرحوم أحمد إبراهيم عبيد بالتدريس في مدارس البحرين، وفي الستينيات جاء إلى مدرسة البديع الابتدائية للبنين يوم كان مديرها المربي الفاضل الأستاذ محمد صالح عبدالرزاق القحطاني الله يعطيه الصحة والعافية، درّس الأستاذ أحمد إبراهيم عبيد مادة اللغة الإنجليزية، وكان لي شرف التلمذة على يديه، فلم يكن المرحوم مدرساً فقط بل كان مربياً بمعنى الكلمة، أشعرنا بأبوته، فقد كان الأحرص على تعليمنا القيم الأخلاقية وحب الاستطلاع ولم يبخل بعلمه وتجربته على أبنائه الطلبة، وكان يحسب حساب مفتش اللغة الإنجليزية المربي الكبير أمين حافظ من مصر الشقيقة الذي عُرف بصرامته وشدة حرصه على أن يكون الطالب مُلمّاً بالمادة التي درسها خصوصاً اللغة الإنجليزية، فكان أمين حافظ يُقدر جهود الأستاذ أحمد إبراهيم عبيد ويُدرك إخلاصه في تدريس المادة، ولكن أمين حافظ كان الحريص على أن يسمع من الطلبة استيعابهم للدروس فيقوم بامتحانهم بنفسه بحضور مدرس المادة، فإن أفلح الطالب وزالت منه رهبة المفتش نال الإحسان والثواب بكلمات تشجيعية وربما قلم هدية، وفي نفس الوقت يشعر المدرس بارتياح كون ذلك شهادة ليس من اليسير الحصول عليها من مفتش اللغة الإنجليزية أمين حافظ بالذات.

كان المرحوم أحمد إبراهيم عبيد يُقسّم الدرس إلى جزأين، الجزء الأول يُدرّس فيه المادة المقررة من الكتاب المدرسي، والجزء الثاني من الدرس معلومات عامة وثقافة تمس المجتمع والحياة وتشجيع على القراءة والاطلاع.

لم يجد المرحوم نفسه كثيراً في التدريس فقد كان شغفه بالكتب والمكتبات فتقاعد عن مهنة التدريس وفتح مكتبة الجيل الجديد بالمنامة. وكانت هذه المكتبة بالنسبة لنا نحن تلاميذه في مدرسة البديع الابتدائية بمثابة المرجع الثقافي الذي لا غنى عنه، فقد كان يرحب بنا أيمّا ترحيب، ويتجاذب معنا أطراف الحديث ويختار لنا الكتب المناسبة وبأسعار متهاودة جداً ولا مانع من السلف خصيصاً لطلبته الذين عرفهم.. كان من الصعب عليّ عندما أزور المنامة وسوقها أن لا أمُر على الأستاذ أحمد عبيد لكي أطمئن على صحته وأخذ منه الحكمة والتوجيه، فقد كان يرحمه الله صادقاً في مشاعره حريصاً على نقل المعلومات والمعارف لمن يقصده فكأنما تقاعده عن التدريس كمهنة لم يحل دون أن يحافظ على رسالة التعليم كواجب وطني يؤديه في أي موقع يكون فيه. 

تواصلت رحلة الأستاذ أحمد عبيد مع المكتبات وشعر بمسؤولية بقاء المكتبة الوطنية التي أنشأها والده تؤدي دورها الوطني والقومي في مملكة البحرين..

المكتبة الوطنية كان لها الدور في نقل الثقافة المصرية تحديداً والعربية على وجه العموم إلى مثقفي البحرين على مختلف أجيالهم، فقد احتضنت المكتبة الوطنية بعد مكتبة مؤيد أحمد المؤيد الجرائد والمجلات المصرية كالأهرام والمصور وآخر ساعة وروز اليوسف وصباح الخير، بالإضافة إلى الإصدارات المصرية من الكتب والروايات والقصص القصيرة لكبار الكتّاب كطه حسين، وعباس محمود العقاد، ويوسف السباعي، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وتوفيق الحكيم، ومصطفى محمود، وإحسان عبدالقدوس والمازني، بالإضافة إلى كتب الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكبار الكتّاب العرب، وكان أدباء وشعراء ومثقفو البحرين من رواد المكتبة الوطنية كأديب البحرين وشاعرها الأستاذ إبراهيم عبدالحسين العريض، والأستاذ حسن جواد الجشي، وعلي التاجر، والأستاذ الدكتور محمد جابر الأنصاري، والأستاذ حسين راشد الصباغ وغيرهم، وكانت المكتبة تتجاوب مع رغباتهم وتطلعاتهم، وكنا رغم صغر سِننا نطلب هذه الإصدارات ونزور المكتبة شعوراً منّا بأننا من نسيج هذا المجتمع الثقافي البحريني، وربما كان تأثير مدرسينا ومن بينهم المرحوم أحمد إبراهيم عبيد تأثيراً بالغاً فقد تتلمذنا على أيدي أساتذة من مصر، وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين ومن مثقفي البحرين، كما كان الوعي الحضاري والفطري عند أولياء أمورنا الذين شعروا بأهمية الثقافة في تنشئتنا فكرياً، كون البحرين مركز إشعاع فكري وثقافي وحضاري، وبها مكتبات من كل الثقافات والعلوم.

تظل ذكرى الأساتذة المثقفين ناصعة في سماء الفكر لأي بلد وتظل إسهاماتهم باقية وإن رحلوا..

فإلى جنة الخلد أستاذي أحمد إبراهيم عبيد فقد أديت الأمانة وحملت رسالة العلم والثقافة إلى آخر يوم في حياتك وستظل شعلة العلم والثقافة متقدة في هذا الوطن العزيز مملكة البحرين بفضل أبنائها وقادتها المخلصين.

 

 

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها