النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11204 الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    6:15AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

الفساد العلمي.. الطامة الكبرى..!

رابط مختصر
العدد 11069 الثلاثاء 30 يوليو 2019 الموافق 27 ذو القعدة 1440

ربما استكمالاً لموضوعنا السابق عن حملة الألقاب المزيفة دون رادع والذين امتلكوا موهبة فذة في التضليل وخلط الحق بالباطل، لا سيما اولئك الذين أسميناهم في مقال سابق عنوانه «لصوص بدرجة دكتوراه»، نتوقف هذه المرة أمام ملف الفساد العلمي، وهو ملف يختزن قدراً كبيراً من المرارة، وقدراً أكبر من منعطفات الخلل والخطأ والخطر..!

هذه المرة على وقع خبر فصل مدير بإحدى الجهات الحكومية انتحل صفة أكاديمي، ونسب لنفسه لقب دكتور دون شهادة..! مع تأكيد ديوان الخدمة المدنية «بأنه ماضٍ في التدقيق على ما تبقى من مؤهلات بمنتهى المسؤولية والشفافية على جميع شاغلي الوظائف العليا دون استثناء..». 

( الأيام - 11 يوليو 2019 )

هذه الحالة ليست الأولى من نوعها، فالذاكرة لازالت تحفظ تلك الضجة واللغط الذي أثير حول وكيل الوزارة المساعد الذي أحيل الى المحاكمة بتهمة تزوير شهادته الجامعية، ويمكن كذلك التذكير بتوجيه صاحب السمو الملكي ولي العهد بالتدقيق الشامل لشهادات جميع أصحاب المناصب العليا بالحكومة، ولا نعلم حتى الآن مآلات هذا التدقيق، ولا حقيقة ما أعلن منذ نحو 8 شهور من أن لجنة الاعتماد الأكاديمي التابعة لمجلس التعليم العالي اكتشفت العشرات من الشهادات والمؤهلات العلمية المزورة، الجميع أخذ علماً بذلك، ولكن احداً لم يأخذ علماً بالنتائج، ولا بالإجراءات المتخذة، كما لم يأخذ أحد علماً بأي خطوة اتخذت حيال قضايا شهادات مزورة أثيرت على منذ سنوات، كتلك القائمة التي نشرت في الولايات المتحدة عام 2009 وضمت أسماء 1000 من عدة دول اشتروا شهادات مزورة، من ضمنهم 180 خليجياً وبينهم 12 بحرينياً، ومعظم هذه الشهادات في قطاعات حساسة كالطب والقانون، والهندسة والتنمية والاقتصاد، ولا ننسى ايضاً التقرير الذي نشرته مجلة (نيويورك تايمز) في مايو 2015 والذي كشف عن 3142 شهادة مزورة باسم جامعات أمريكية منحت لـ 378 من الكويت الى جانب عدد من البحرين وآخرين من دول المنطقة، كما لا ننسى المعلومات المذهلة التي نشرتها قبل عدة شهور الزميلة (أخبار الخليج) حول بيع شهادات علمية وهمية ومزورة نظير مبالغ تتراوح بين 1500 الى 4000 دينار، ويمكن في السياق ذاته التذكير بالعديد من القضايا التي أثيرت في الفترة الماضية والتي تؤدي بنا الى قناعة أن أوان استحقاق المواجهة لهذا الملف بمنتهى الشفافية والحسم لا يزال مجهول المصير، وهو الملف الذي يفترض أن يكون متصدراً الاهتمام على كل المستويات..!!

الفساد العلمي والأكاديمي هو فساد مسكوت عنه، او لنقل إنه فساد لم يتم التصدي له كما يجب، ولم يدخل في منظومة الحرب على الفساد، وفي هذا السكوت او التلكؤ في اتخاذ إجراءات جريئة وحاسمة ورادعة هو استهانة حقيقية بالعلم وبالمستقبل، هو فساد خطير، بالغ الخطورة، وبالغ السوء، وبالغ التأثير في التنمية السياسية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والعلمية، وهناك من عدّه المؤسس لكل انواع الفساد، يحوّل الفساد من حالة عابرة الى فساد مؤسسي منظم، وهو فساد لا يقتصر فقط على الشهادات الوهمية او المزّورة، بل يشمل ايضاً السرقات العلمية والفكرية من انتحال وتلفيق وتزوير للبحوث العلمية، وكل ما يخالف قواعد البحث والسلوك العلمي الصحيح وتنتهك فيه شروط وأخلاقيات الأمانة العلمية، وكارثة حين يصل الأمر الى أن تجد من انخرطوا في هذا الفساد وهم يأخذون مواقع متقدمة في المجتمع، والمتفوقون والمتميزون والمجتهدون عاطلون او أشباه عاطلين في انتظار فرصة..! 

في كتابه «الحداثة الممتنعة في الخليج العربي» يشير الدكتور باقر النجار في أحد فصول كتابه القيّم الى هذا النوع من الفساد، وتشمل «السرقات العلمية، او ما أسماها البعض بالقرصنة الأكاديمية، ومن ضمنها سرقة أفكار او أعمال الآخرين المكتوبة وغير المكتوبة، وسرقة أبحاث الطلبة، وسرقة أبحاث الآخرين من العاملين في المجال والحقل نفسه في المنطقة العربية كما خارجها، وقيام بعض عناصر الهيئة التدريسية الوافدة العاملة فى الجامعات لأعمال ومتطلبات بحثية ومساهمات علمية بما فيها مشاريع تخرج إما لكسب رضا الادارة المحلية، او لتجديد عقدها، او لإنجاز مهمة داخل الجامعة او خارجها»، ويلفت الدكتور النجار الى ما قد يعد نوعاً من التضليل او الفساد تمارسه جامعات في المنطقةن حين تتعاقد مع أساتذة مشهورين برواتب ضخمة وبعقود صحيحة دون حضور فعلي لهم لهذه الجامعات، المطلوب منهم فقط كتابة اسم هذه الجامعة او تلك في أبحاثهم ضمن بيئة العمل لكي تنسبه الجامعة المعنية الى نفسها ضمن بحوثها التي تقوم عليها هيئة التدريس ربما للتأكيد على الجودة الأكاديمية، او محاولة شراء التميز الأكاديمي للصعود في التصنيفات العالية او العالمية للجامعات..! وهو أمر يعني أولاً وأخيراً وفي أبسط تحليل أن نزاهة الأطر والتقاليد الأكاديمية لم تستقر بعد كما يجب..! 

الفساد العلمي الذي تنتهك فيه شروط وأخلاقيات الأمانة العلمية، قيل إنه يعني إضاعة كل جهد بذل ويبذل على التعليم، وبالتالي فهو يضعنا أمام نهضة علمية مخادعة، ويعني أيضاً المراوحة في المكان والتشكيك في مخرجات المؤسسات التعليمية، بقدر ما يعني البيئة الخصبة لتخريج المسؤول الفاسد، والإعلامي الفاسد، والطبيب الفاسد، والمحامي الفاسد، والمعلم الفاسد... الى آخر القائمة، فهل نتوقع مثلاً من أي من هؤلاء او غيرهم ممن سرق بحثاً، او تعدى على بحث، او اشترى او زوّر شهادة، او باع مشروع تخرج، ولم يكترث بقيم النزاهة والقواعد العلمية والأخلاقية، او مارس الغش والتضليل والخيانة العلمية وانخرط في شكل من أشكال الفساد وما يضر بالمجتمع والوطن، هل نتوقع أن يكون موضع ثقة ونزيهاً في عمله وبالمسؤوليات المنوطة به، وأميناً في تعامله مع الآخرين، وصاحب ضمير حي..؟!

لذلك ليس غريباً أن نجد بعض الكيانات التي تأسست في بعض البلدان، ومنها تونس التي وجدنا فيها جمعية باسم الجمعية التونسية للدفاع عن القيم الجامعية، مهمتها الدفاع عن هذه القيم، ومواجهة خروقات القواعد والأعراف الأكاديمية وكل أشكال الفساد العلمي، وحماية العلم وأهله من الطارئين والمزورين من (المدكترين) وغيرهم، كما وجدنا أكثر من جهة عربية وهي تطلق مبادرات تعني بمحاربة الفساد العلمي والمتاجرة بالبحوث العلمية وأعمال طلبة المرحلة الجامعية من واجبات وبحوث ومشاريع تخرّج وغيرها، وفي هذا السياق وفي المملكة العربية السعودية وجدنا نائب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» في أحد المنتديات وهو يحذر من السرقات العلمية، لافتاً الى أن مراكز خدمات الطالب المنتشرة تعد مراكز للفساد العلمي، وتركز في عملها على إفساد الطلاب، وهذه طامة كبرى..!

وفي السعودية ايضاً، وجدنا عدة جامعات بادرت الى إنشاء لجان لدراسة قضايا أخلاقيات البحث العلمي من تجاوزات وسرقات علمية، ويمكن أن يشار هنا الى مبادرة جامعة الإمام محد بن سعود التي شكلت لجنة الاخلاقيات العلمية، والتي هذه اللجنة عن وضعها لائحة حماية النزاهة العامة بهدف ضمان التزام الممارسات البحثية التي تتم داخل الجامعة بالنزاهة العلمية وبالاخلاقيات المفترضة، كما وجدنا جامعة الجوف السعودية وهي تعلن عن مبادرة هدفها «حماية الوطن ومستقبله من تجار الفساد العلمي الذين اتخذوا منصات التواصل الاجتماعي قنوات علنية لممارسة الفساد وعرض بضائعهم الزائفة من بحوث علمية حسب الطلب، وإنجاز أعمال المرحلة الجامعية من واجبات وبحوث ومشاريع تخرج»، وفي مصر أعلنت جامعة الإسكندرية تطبيق لائحة خاصة بالنزاهة العلمية على شهادات «الماجستير» و«الدكتوراه»، كما وجدنا في خارج المنطقة العربية، في فرنسا كمثال إعلان تشكيل المركز القومي للبحث العلمي ( CNRS ) الذي قام في إطار حربه ضد الغش في مجال البحث العلمي بتشكيل لجنة وطنية تحت مسمى «لجنة النزاهة العلمية»، والى جانب ذلك هناك ايضاً «اللجنة الدائمة لأخلاقيات العلوم في الأكاديميات الأوروبية»، تعني بالنظر في الانتهاكات العلمية ومدى مخالفتها للمبادئ الأساسية للسلوك العلمي الاحترافي، وتتصدى لمن يسيئون لسمعة العلم والتعليم العالي، تلك أمثلة ليس إلا لمبادرات استهدفت مواجهة انتهاكات الأمانة العلمية والمعايير العامة لأخلاقيات البحث العلمي..! 

الخلاصة، هذا ملف يستدعي الآن مراجعات واجبة ومسؤولة ومدركة لأهمية وخطورة هذا الملف، ومن قصر النظر تجاهل أنه ملف يمس الحاضر والمستقبل بشكل يفوق أي تقدير، المهم أن نتعاطى مع هذ الملف بمنتهى الجدية والمسؤولية والشفافية لبلوغ النتائج التي تؤدي الى وضع الأمور في نصابها الصحيح ووضع حد رادع لهذا النوع من الفساد وإقصاء الفاسدين والمزورين والأدعياء.. 

والآن تعني الآن..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا