النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

مقايضات في قمة ترامب ــ خان

رابط مختصر
العدد 11069 الثلاثاء 30 يوليو 2019 الموافق 27 ذو القعدة 1440

المعروف أن هناك جماعات انفصالية في إقليم بلوشستان الباكستاني أشهرها «جيش تحرير بلوشستان» الذي يقاتل الحكومة المركزية الباكستانية، مطالباً بالاستقلال أو على الأقل التمتع بحكم ذاتي واسع. والمعروف أيضا أن هناك جماعات بلوشية مسلحة أخرى في محافظة سيستان /‏ بلوشستان الإيرانية مثل «حركة الفرقان» التي تقوم بعمليات مسلحة ضد الحرس الثوري الإيراني بسبب ما تتعرض له مناطقها من تهميش تنموي وتمييز عرقي /‏ طائفي من قبل نظام الملالي الجائر.

غير أن هذا ليس موضوعنا. فما نحن بصدده هنا هو الدراسة الفنية التي نشرها البنك الدولي هذا العام حول تطورات مشروع الممر الاقتصادي الصيني ــ الباكستاني، الذي هو مشروع اقتصادي ضخم ــ ضمن مشروع طريق الحرير ــ يضم عددًا من مشاريع البنى التحتية في باكستان، من أهمها ربط مدينة كاشغر الصينية بميناء غوادر على بحر العرب والواقع في إقليم بلوشستان الباكستاني، بتكلفة إجمالية مقدارها 46 مليار دولار، علمًا بأن باكستان تعول عليه كثيراً لدفع عجلة اقتصادها ولاسيما في بلوشستان الفقيرة، بينما تعارض الهند هذا المشروع لمروره في الجزء الباكستاني من ولاية كشمير المتنازع عليها. 

التقرير اتهم باكستان بانفاق جزء يسير (10%) من أصل 5.5 بليون دولار خصصتها بكين للإنفاق في بلوشستان وحدها، والذي كان مقررًا صرفه على بناء شبكات من الطرق في العاصمة كويتا، وتزويد الإقليم بالمياه الصالحة للشرب وإقامة مولدات إضافية به لمواجهة النقص الشديد في الطاقة الكهربائية. باكستان لم تنفِ الواقعة ولكنها حملت مسؤوليتها لحكومة رئيس الوزراء السابق، المعتقل حالياً، نواز شريف.

والمعروف في السياق ذاته أن الصينيين هددوا أكثر من مرة بإلغاء بعض من مشاريعهم في إقليم بلوشستان، ليس لهذا السبب، وإنما لسبب آخر هو قيام «جيش تحرير بلوشستان» والمتعاطفين معه باختطاف فنيين صينيين أو الاعتداء عليهم كنوعٍ من الترهيب لإيقاف ما يسمونه «غزوًا أجنبيًا وتدخلاً في شؤونهم الداخلية».

المنطق يقول طالما إن الجماعة البلوشية في باكستان تقلق مضاجع بكين التي تخوض واشنطون حربًا تجارية وسياسية ضدها، وطالما أن نظيرتها في إيران تقلق مضاجع ملالي طهران الذين يهددون المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، فإن على إدارة الرئيس ترامب احتضان ودعم الانفصاليين البلوش، وليس تصنيفهم ضمن قوائم الجماعات الارهابية على نحو ما فعلته مؤخرا. لكن يبدو أن للسياسة قولاً آخر. 

لقد جاء القرار الأمريكي حول «جيش تحرير بلوشستان» متزامناً تقريباً مع أول زيارة لرئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إلى واشنطون منذ وصوله للسلطة في أغسطس 2018، وهي زيارة اصطحب فيها خان معه لأول مرة في تاريخ زيارات الزعماء الباكستانيين للولايات المتحدة؛ قائد جيشه ورئيس مخابراته. كما تزامنت الزيارة أيضا مع قرار إسلام آباد إعادة اعتقال مواطنها «مسعود أزهر» المدرج أممياً على لائحة كبار الارهابيين العالميين لدوره في تفجيرات الفنادق الدموية التي شهدتها مدينة مومباي الهندية سنة 2008، بعدما كانت قدر أفرجت عنه ورخصت لحزبه السياسي. كل هذه المتزامنات دفعت المحللين للقول بأن ملفات أمنية كثيرة سوف تطرح على طاولة البحث المستفيض في لقاء ترامب وخان، وأن مقايضات سوف تجرى في عدد من القضايا.

من هذه المقايضات إعادة علاقات التحالف الأمريكية الباكستانية إلى سابق عهدها مع تقديم واشنطون لإسلام آباد مساعدات عسكرية واقتصادية معتبرة، والالتزام بإدراج الجماعات الانفصالية البلوشية ضمن قوائم التنظيمات الارهابية كي يكون بمقدور إسلام آباد ملاحقتها وضربها أينما ما وجدت (داخل الحدود وخارجها) دون مساءلة قانونية، وذلك مقابل موافقة حكومة عمران خان على لعب دور أقوى وأوضح في القضاء على الإرهاب وعمليات غسيل الأموال، علاوة على قيامها بدور ضاغط على حركة طالبان والتنظيمات الارهابية المتفرعة عنها؛ من أجل تحقيق السلام في أفغانستان وبالتالي تسهيل مهمة انسحاب القوات الأمريكية من الأخيرة وفي هذه الجزئية لا بد من استحضار الاتهام الذي وجههه الرئيس ترامب في ديسمبر 2017 إلى باكستان من أنها «لم تقدم سوى الأكاذيب والخداع في الوقت الذي توفر فيه ملاذاً آمناً للإرهابيين»، وهو ما نفته إسلام آباد جملة وتفصيلاً. 

لم يتسبب هذا الاتهام فقط في تصدع التحالف التاريخي الطويل بين البلدين، وإنما تسبب أيضا في عزلة باكستانية مريرة مع انفتاح أمريكي واسع على الهند. لكن هذا «الحليف المخادع» ــ بحسب ترامب ــ يبدو اليوم أقرب إلى الخروج من عزلته، وذلك بعد أن اقتنع ترامب أن لباكستان ضرورة؛ من أجل دفع محادثات السلام الأفغانية إلى الأمام وخروج الأمريكيين من المستنقع الأفغاني الآسن، مثلما كان لباكستان ضرورة في «حرب الجهاد» ضد السوفييت زمن الجنرال ضياء الحق ونظيره الامريكي رونالد ريغان.

ليس هذا فحسب، وإنما لوحظ بعد مباحثات ترامب ــ خان، إعلان الأول عن استعداده للتوسط بين الهند وباكستان في قضية كشمير الشائكة، وهو ما عُدّ تغييرًا جوهريًا في السياسة الأمريكية التي لطالما شددت على حل القضية بشكل ثنائي بين الجارتين اللدودتين. لكننا نضع هذا الأمر ايضا في نطاق المقايضات آنفة الذكر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها