النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

في غياب مشروع نهضوي جديد

الشباب العربي.. غياب ثقافة القيم

رابط مختصر
العدد 11068 الإثنين 29 يوليو 2019 الموافق 26 ذو القعدة 1440

-يتعرض الشباب في أغلب البلاد العربية، منذ فترة ليست بالقليلة الى ضغوط متزايدة لاصطياده من قبل الجماعات المتطرفة عبر العالم. وقد يكون من الصعب تحديد كافة الأسباب التي تجعل بعض هذا الشباب يرتمي في أحضان التطرف والعنف، لأن الموضوع يتطلب بحثا وإحاطة بكل أسبابه، ولكن بالإمكان التوقف عند الأسباب المباشرة والتي تتوزع مسؤوليتها بين ضعف تربية الناشئة أسرياً واجتماعياً، إذ لم تعد العائلة في المجتمعات الحديثة، تضطلع بدورها في تحديد القيم والمثل بالمقدار الكافي، وذلك لأسباب مادية بحتة، وتلقي بالمسؤولية على المدرسة والجامعة وعلى المجتمع بصفة عامة، وعلى المؤسسات التربوية بصفة خاصة، من حيث اهتمام المؤسسة التربوية بالتعليم أكثر من اهتمامها بالتربية، بالعمل على تنمية المهارات المعرفية، كي يصبح الشاب متقنا لتخصص علمي محدد، ولكنه في المقابل لا يحصل على نفس القدر من الاهتمام بالنسبة للجانب المتعلق ببناء الاتجاهات القيمية واكتساب المهارات الحياتية. وهو الأساس بالنسبة لمستقبل الشباب والمجتمعات معا.

وهذا يستدعي بالضرورة إعادة النظر في العديد من الجوانب التي لا تساعد على أن يتعلم شبابنا العربي القيم تعلماً، وأن يكتسب ما به يكون قادراً على ممارسة دور المواطنة الصالحة، ما به يكون واعياً معتدلاً عقلانياً. فمثلاً لا بدّ من إدخال برامج إلزامية منذ السنوات الأولى لما يمكن تسميته بثقافة القيم. بحيث يستوعب الطالب ثقافة متعددة الجوانب تعتمد ايجابيات تراثنا وتنفتح أيضا على كافة الثقافات الإنسانية، حتى لا يكون تكوين الشاب ليكون مواطناً مستقبلياً يرتكز عليه مستقبل المجتمع ككل، وليتحقق ذلك يجب أن تصب المواد الدراسية جمعيها في دائرتين أساسيتين:

- دائرة الربط بين العقل والوجدان، بحيث يتعلم الشاب أن العقل أساسي في التعامل مع الآخر والمجتمع بنفس القوة مع الوجدان، وأن يرتبط العقل بالأخلاق وأن يرتبط الوجدان بالتعقل، وهذه دائرة لا بدّ أن تكون حاضرة ضمن كل جميع المواد الدراسية في المدارس والجامعات. 

- دائرة تعزيز وتنمية الحوار في إطار القناعة بالحرية كقيمة أساسية وإنسانية مقدسة، إذ أن كافة الثقافات الإنسانية الكبيرة قد قامت وتقوم على فكرتي الحرية والحوار، بمعنى أن كل ما يرتبط بالحياة الشخصية أو الاجتماعية أو السياسية أو الإنسانية يتطور بالتحاور، وليس بالعنف، مهما كان نوعه. وهذه الفكرة هي التي انبنت عليها فلسفة الأنوار، منذ كانط وانبنت عليها الحداثة، بصفة عامة، باعتبار أن حداثة الغرب قد كرّست سلما أبدية داخل رقعته الجغرافية. وعليه فلا بدّ أن يتعلم الشباب العربي أننا لن نتطور إلا إذا اعتبرنا أن حل مشاكلنا جميعها، لا يتم إلا بواسطة الفكر والعقل والحوار والتحاور، وعبر القناعة بالحرية كقيمة إنسانية والقبول بالرأي الآخر. وهذا يعني أيضا أن تقوم التربية الأسرية والمجتمعية والسياسية على فكرة تعلم الحرية تعلماً. لأن الحرية يجب أن نتعلمها، وليست كلمة بلا معنى، وأنه لا تحدها إلا الحرية نفسها، والقوانين الضابطة للمجتمع. وبذلك يكون بناء الشخصية مرتبطاً بمساحة واسعة من الخيارات. وهذا يقتضي أيضا توفير المزيد من الفضاءات الغنية بالثقافة الفكر والمعرفة، ومساحات واسعة ومدروسة للحوار والتلاقي والتعايش، ضمن خطط طموحة بعيداً عن البرامج الروتينية التي غالبا ما تتسم بالسطحية التي تجعل من النشاط الموجه إليهم غريباً عنهم، ولا يساعد في الارتقاء بهم وبوعيهم وبإبداعهم وفي جذبهم الى دائرة التأثير الإيجابي في مجالات الثقافة والسياسة والإعلام وغيرها من المجالات، إضافة إلى عجز المؤسسات المعنية بالشباب العربي عن استقطاب القسم الأكبر من الشباب إلى برامجها وفعالياتها بالرغم من أهميتها، لما يهيمن على هذه البرامج من نزعات التكرار والتلقين من دون إتاحة الفرصة أمامهم للبحث والمعاينة الفردية والجماعية وبناء المعارف والخبرات، بصفة نشطة وتفاعلية ومسؤولة. وحتى مقارنة بما كان عليه وضع الشباب العربي في العقود السابقة، نلاحظ أن أغلب البرامج المقدمة لهؤلاء الشباب اليوم تبدو أقل تأثيرًا وجاذبية مقارنة بالمراحل السابقة، حيث كانت التوجهات في السابق مرتبطة بتوجهات النهضة العربية من إصلاحية تحديثية وعروبية وتنويعات يسارية وإلى ليبرالية وإسلامية، تتناوب على تلك الرهانات آنذاك وتأطير الشباب العربي ثقافياً وسياسياً، أما اليوم فهنالك غياب كبير لمشروع نهضوي شامل أو كبير قادر على شحذ همم الشباب والدفع بهم نحو أفق الأمل والطموح، إضافة إلى ضعف الجاذبية ومع غموض الرؤى والبرامج المقدمة لهم، وبذلك يبقى الشباب ضحية وضع ملتبس في مجتمعات عربية من دون مشاريع نهضوية، وربما حتى من دون طموح كبير يلبي أشواقهم وتطلعاتهم، ويجعل أمامهم أهدفاً يناضلون من أجلها، ولذلك لم يكن غريباً أن تصبح الحركات المتطرفة هي من تمتلك القدرة على جذب قسم من هؤلاء الشباب، وتدفع بهم إلى أفق تدميري. 

ولو أن قضايا دمج الشباب العربي في التنمية والديمقراطية والمشاركة السياسية الأوسع مدى كانت على جدول العرب انسجاماً مع مسار الإنسانية العام نحو التنمية والتقدم والحداثة، لكان الوضع مختلفا ولما استطاعت قوى التطرف والإرهاب جذب قسم من هذا الشباب إلى دائرتها. ولذلك فطالما لم يحتل الشباب المواقع الهامة في إدارة الشأن العام، ولم يشارك في الشأن المجتمعي بمستوياته المختلفة فلن تنجح الجهود في جذبه إلى دائرة الفعل المثمر والفعال.

 

همس

أتذكر في معنى المحبة قول العلامة محمد الخضر حسين: «المحبة إما أن تكون للمنفعة، وإما أن تكون للذة، وإما أن تكون للفضيلة، فعلاقة المنفعة تبقى معقودة ما دامت المنافع جارية، فإن انقطعت انقطعت، وعلاقة اللذة هي المحبة التي تثيرها الشهوة، وقد تشتد فتسمى عشقاً، وتستمر باستمرارها، وتنقطع عندما تنصرف النفس عن اللذة التي بعثتها، وعلاقة الفضيلة هي المحبة التي يكون باعثُها اعتقادُ أن الصاحب على جانب من كمال النفس..»، ولذلك قال العلامة الشعبي: تعايش الناس بالدين زماناً حتى ذهب الدين، ثم تعايشوا بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثم تعايشوا بالحياء حتى ذهب الحياء، ثم تعايشوا بالرغبة والرهبة، وسيتعايشون بالجهالة زمناً طويلاً لا ينقطع».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها