النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

«مليانة شجن هالمنطقة»

رابط مختصر
العدد 11065 الجمعة 26 يوليو 2019 الموافق 23 ذو القعدة 1440

 مشاغل الحياة تجذب الإنسان قهرا إلى الزوايا المظلمة في الصورة المجتمعية حتى تغيب ملامحه عن هذه الصورة، ومع الوقت يجد الإنسان نفسه مبتعدا عمن يحب تاركا للزمن أن يطبع التغييرات في الشكل، وقد يكون في الجوهر، رغم أن الحب للآخرين الذين أمضى معهم أحلى سنوات العمر في القلب لهم عامر، يزيد ولا ينقص. مناسبة هذا الكلام هي أن سؤالا وخبرا وأغنية، وجدوا طريقهم إلي مصادفة في يوم واحد. وقد كان للسؤال والخبر والأغنية شديد التأثير في مجريات يومي ذاك، حيث امتلأ بالشجن بسبب الصلة بمراحل الطفولة والمراهقة والشباب، وهي مراحل أمضيتها جميعها في بيتنا القديم الواقع في «منطقة مليانة شجن». ولسوف يجد القارئ شيئا من ذلك مترجما كلمات في هذه المساحة.

 أما السؤال فهو من الأسئلة التي تتكرر في اليوم أكثر من مرة عندما تلتقي إنسانا آخر كان في يوم من الأيام زميل عمل أو دراسة أو صديق طفولة، وخصوصا في المجتمعات الصغيرة التي يجمعها الحب أكثر من أي شيء آخر، والسؤال الذي أنا بصدد الحديث عنه باقتضاب، لأنه من الأسباب التي أعادتني إلى تذكر بعض أصدقاء الطفولة والمراهقة هو: «وينك؟.. وين أراضيك ما نشوفك يا خوي؟» كان في ردي شيء من التهرب لأني صدقا لا أملك مبررا غير الاختباء خلف ما هو شائع من ردود: «موجود، ولكن زحمة الحياة بالانشغالات هي المسؤولة عن الغياب». صاحبي بسؤاله ضغط على منطقة في الذاكرة مكتنزة بالشخوص والأحداث والأمكنة، أتمنى أن يتاح لي الوقت لتوثيقها، لأني أرى أن فترة الخمسنيات والستينيات والسبعينيات مهمة على الصعيد الاجتماعي ينبغي تناولها بمزيد من الدراسة.

 أما الخبر فهو الذي أوجعني وأعادني إلى مرابع الصبا وشغب الطفولة وصهيل المراهقة. الخبر هو أن أحدا من أقربائي نقل إلي أنه شاهد على جدار بيتنا القديم، مكان ولادتي وإخواني وأخواتي وأبناء أعمامي وبناتهم، عبارة «البيت للبيع»!! زرت بيتنا القديم فوجدتني مشدودا إلى الماضي، إلى المدرك والمنطوق الأول في الطفولة. إلى أمي التي ودعت الحياة في متوسط عمرها بعد أن أتعبها المرض، وقد شاهدتها وهي تنعم بالصحة والعافية وهي تتنقل مثل الفراشة بين غرفة البيت الوحيدة وبين المطبخ والمجلس. سمعتها وهي تناديني لتطلب مني أن أذهب إلى صالح بن أحمد المناعي صديق أبي لأسأله لماذا تأخر أبي في السعودية ولم يأتِ بعد. كيف سأعود إلى هذه المشاهد في الذاكرة، لأستمع إلى والدتي، وإلى صخب إخوتي وأبناء عمومتي عندما كان البيت يجمعنا إذا ما بيع هذا البيت؟ لا أعترض على البيع في ذاته ولكني أتساءل عما إذا كان بالإمكان حفظ ذاكرة المكان بعدم التفريط فيه مهما كانت الدوافع والظروف. طرحت تساؤلي هذا على ابني فأشار علي أحدهما: دعنا نشتريه!! واحترت في الرد، فلم أملك سوى الصمت ملاذا.

 عندما انتقلنا إلى بيتنا الجديد أبى والدي إلا أن يصطحب معنا المجلس ليحتل مكانا مرموقا في بيتنا متجاهلا في قراره هذا معارضة أبنائه وبناته وزوجته المحتجين بضيق المساحة وقصور الغرف على أعداد أفراد الأسرة، مبررا موقفه بالقول: «المجلس إرث أبي الذي لا أقبل التنازل عنه، ثم أنه هو الذي يحفظ للعائلة صيتها وكرمها وكيانها». لم يكن قول أبي (رحمه الله) مجرد قرار أبوي، بل عنوانا من عناوين أصالة وبر وتشبث بقديم جميل يرفد الروح وينعشها بأبسط تفاصيله ومكوناته، فالمجلس في بيتنا القديم يشغل مساحة خاصة به قبل أن يتقاسم الأخوة البيت، وعمر هذا المجلس أكثر من مئة وخمسين سنة، وكل شبر فيه يعبق عراقة وأصالة وملحمية أسرية جميلة نسجت تفاصيلها عرقا وحبا وطيبة وحرصا على الجميل من القيم، ولكم أنفقت والدتي (رحمها الله) وزوجات أعمامي الثلاثة أقساطا كبيرة من أوقاتهم ومن عرقهم للعناية بمظهره باعتباره واجهة لأهل البيت!.

 أما الأغنية ذات الشجن التي استمعت إليها وتداخلت مع خبر «البيت للبيع» ونقلني عشرات السنين إلى الوراء، فقد كان اسمها «البيت القيم»، للفنان الكويتي أحمد العماري صاحب الصوت الشجي واللحن الجميل. الأغنية مؤثرة لأنها تحكي قصة الإنسان مع واقعه الأول الذي فتح عينيه عليه عند الولادة، وما نسج من علاقات، وما ترك من أثر في محيطه العائلي والاجتماعي. الأغنية كانت تعنيني بشيء كثير مما اشتملته من معانٍ، فتخالط اللحن والصوت الشجيان مع دفء بيتنا القديم، الذي كان يعج بالصخب حتى مع خوائه من أهله. مطلع الأغنية يقول: «مليانة شجن هالمنطقة وقلبي هذا فريجه... نفس الحصى ونفس الهوا ونفس الروح العتيجة...». فعلا كانت المنطقة التي يقع فيها بيتنا القديم، مهجورة من اهلها «مليانة شجن».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا