النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

تجاوز خطابات التقسيم والكراهية

التئام الكلمة على الحوار ووحدة المجتمع

رابط مختصر
العدد 11061 الإثنين 22 يوليو 2019 الموافق 19 ذو القعدة 1440

بالرغم من إنكار المشتغلين بالخطاب السياسي في الوطن العربي، بكافة فئاتهم وألوانهم، للطابع التقسيمي (الطائفي-المناطقي-القبلي..) لخطاباتهم، فإن المواقف السياسية والممارسات العملية على الأرض، تكرس هذه المنزع التقسيمي المفارق للمواطنة. ولذلك لا يمكن تجاهل هذا الطابع المتصاعد وما يطرحه من إشكاليات، تواجه الطموح نحو بناء المواطنة المتساوية التي تعني الانتماء إلى هوية مشتركة ونمط عيش ارتضاه الناس وتوافقوا عليه، وفق أسس وثوابت الهوية الوطنية تكريسا لمبادئ حرية الانتماء والمساواة في الحقوق والوجبات. إلا أنه في المجتمعات العربية المتعددة، يشهد هذا المفهوم مفارقة ازدواجية الانتماء، يغيب فيها الوطن عند أول مواجهة أو أزمة سياسية أو أمنية، تنتهي المعركة في الغالب بهزيمة الوطن.

نرى ذلك مجسدا في عدد من البلدان العربية على نحو مفجع (العراق وسوريا لبنان اليمن على وجه الخصوص) حيث يختفي الوطن الذي يجمع مواطنين متساوين في الحقوق والوجبات، وتتحدد الهويات والخطابات والصراعات والتحالفات على أسس طائفية أو قبلية. ولذلك فإن أزمة المواطنية في المجتمع المقسم طائفيا، (وإن وجدت محاولات لتجاوزها) تتجلى من خلال استطلاع دور العوامل الاجتماعية والثقافية العديدة التي تكرس قيم الانحياز إلى الهويات الفرعية بدلا من الانحياز إلى الوطن، ومنها التربية العائلية والثقافة الدينية الطائفية والثقافة السياسية التي تنتجها المؤسسات الدينية والأحزاب الطائفية.

كما أن الذين يحاولون استبعاد المواطنية كأساس للتعايش والعيش المشترك، يعمدون – لتكريس مصالحهم وتسلطهم على الناس-فيخوفون الناس من أن يكونوا أفرادا فيقولون لهم مثلا: إذا لم تؤمنوا بنا وبرؤانا، فإن معاشكم وحظوظهم في دار المعاد معقودة على مدى رضائهم عليهم، من خارج أي معايير مواطنية أو قانونية او دستورية او مصلحية حتى.. وحين تبدأ المجتمعات بالتعبير عن نفسها بهويات دينية أو طائفية فهذا يعني انتهاء الدولة والدخول في النفق المظلم من الانقسامات والصراعات والمواجهات وصناعة الكراهية، ومهما تحدثنا هنا عن الحوار والتسامح، فإننا في ظل هذه البنى الصاعدة نعمق أسباب التصنيف والتوصيف الفئوي ولن نجد قاعدة للمساواة بين المواطنين.

إن الهوية بطبيعتها نافية للآخر حتى في أكثر المجتمعات تقدما، وحتى وإن كان هذا الآخر شريكا في الوطن، ولذلك فإن المخرج الذي وصلت إليه بعض الدول أو أكثرها تقدما لتجاوز مكوناتها الطائفية والعرقية والمناطقية هو المواطنة كأساس يرتكز إليها التنوع، يقوم على وفاق اجتماع سياسي على تجاور الهويات بميثاق شامل، يرتكز إلى «القانون والدستور». وحده التأسيس على هذا الأساس هو المدخل لتصحيح الاوضاع وتحرير المجتمع من الانقسامات والفوضى وعوائق التقدم الاجتماعي والثقافي. أما الخطابات المؤسسة على التمييز فإن الأمر معها مختلف، بما في ذلك الدعوة الى التسامح ضمن افق التقسيم على الأساس الطائفي- الديني التمييزي بين الناس، بعيدا عما يجمعهم، وهو إنسانيتهم التي يفترض بها ان تجمع وتلم شتات الإنسان على أساس من إنسانيته والتحديات التي تجمع بين الناس في جميع الأحوال، هم يتحدثون عن تسامح الأديان، بحيث يتعايش المسلمون مع غير المسلمين وتعايش المذاهب، استلهاما مما كان في الماضي، دون الاستلهام مما يجمعهم اليوم تحت مظلة الإنسانية الجامعة، والحاجة إلى التأسيس للمستقبل المشترك، ومن خلال الاستنجاد بالماضي واستحضاره في الصراع السياسي، يتم استبعاد الحاضر والمشترك الإنساني الكامن في المساواة والمواطنة.

وباستحضار الماضي واستبعاد الحاضر الجامع لا نلغي النزاعات التقسيمية، بل نكرسها لأن التقسيميين (بكافة فئاتهم) ليسوا في الحقيقة ظل الله على الأرض بل هم ظل مصالحهم على البشر، وتكريس امتيازاتهم المادية والاجتماعية المعلنة وغير المعلنة. ولذلك فإن الأفق الوحيد المتاح أمامنا كبشر هو أن نحتفظ بإيماننا الحر، بأن نخرجه من لعبة السياسة والسيطرة والمتاجرة، ونخرج الطائفيين من سلطة إيماننا وتسلطهم عليه وتوظيفه لصالحهم ومصالحهم، ولنتحرر بإيماننا الفردي يجب أن نكون مواطنين لا طوائف. لذلك فإن إلغاء الطائفية والقبلية والمناطقية السياسية لا تكون إلا في إطار إصلاح تدريجي لمعوقات بناء الدولة العصرية، فإلغاؤها يجب أن يأتي في سياق تطبيق الديمقراطية والاخذ بمبادئ ومتطلبات مدنية الدولة، بلغاء النزعات التقسيمية وتجاوز الثقافة التقسيمية والخطابات التقسيمية.

إن الوعي بمخاطر النزعات التقسيمية لا يكفي وحده لتجاوز مخاطرها، بل يجب أن بذل جهد وطني تشاركي لمنع انتقال تأثير هذا الخراب إلى عقول الناشئة، ودعوة التقسيميين – المكشوفين منهم والمتسترين-أن يكفوا عن اللعب بالجمر من خلال برامج الخراب التي تقوم عليها أحزابهم وتجمعاتهم، وذلك لان الخيار بين الطائفية والوطن هو بالضبط الخيار بين الحياة والموت، وإذا ما سمح للجماعات التقسيمية بكافة اتجاهاتهم بممارسة إفساد للعقول والنفوس، نكون قد سمحنا بتدمير بنية المجتمع وتآكل ووحدة الشعب، لذلك فإن هنالك حاجة ماسة إلى العمل على الحد من هذه الاتجاهات في جميع الفضاءات العامة، من أجل بناء مجتمع ديمقراطي يتساوى أفراده أمام القانون ويتمتعون بالمساواة والكرامة والحرية.

 

همس

السياسة هي المضاد الموضوعي للعنف والالم والتدمير، وهي الوصول إلى حلول بالتوافق والسلم، وليس بالقوة ولا بالابتزاز وبالقتل وبالتهديد، إلا أنه من الواضح انها ما تزال عند البعض مجرد فن لتوظيف العنف أو حرق الأخضر واليابس في لحظة فقدان الحس الإنساني. كل أمر مشين قد يصبح وفق معادلاتهم ممكنا ضد الشروط البديهية للحياة الديمقراطية الطبيعية بعدم اللجوء إلى العنف لفرض رأي أو فكرة أو مطلب، مهما كان مشروعا. ويفترض (نظريا على الأقل) أن يكون الحوار أداة أساسية للتفاهم داخل المجتمع الإنساني (الطبيعي)، للخروج من الحلقة المفرغة، والتئام الكلمة على حفظ السلم وتحقيق العدل والأمن للبلاد والعباد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها