النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

النخبة بين السيف والقلم 1 /‏ 2

رابط مختصر
العدد 11061 الإثنين 22 يوليو 2019 الموافق 19 ذو القعدة 1440

يعتبر الحديث عن مصطلح النخبة «الصفوة» الخليجية بشكل عام والسياسية بشكل خاص موضوعاً ليس عادياً، فهو موضوع ومصطلح واسع وشائك ودقيق ومتشعب الى جانب كونه حساسا للغاية، وتكمن حساسيته أنه يجب أن يقترب بصراحة وموضوعية للنخبة وهي في محيط النار كمسؤولية النخبة السياسية حيال الحق والمجتمع والدولة. 

وقيل إن المسؤولية السياسية كانت مثل سيف ديموقليدس، وقد تقود صاحبها للقمة وقد تقوده احيانًا للمجد، إلا انها في أغلب الاحيان تأخذه نحو جحيم العذاب والمعاناة والموت، غير أن الكتابة الابداعية لدى النخب الثقافية والفكرية مسؤوليتها مختلفة، متباينة، متقّنعة وملتوية تلعب بين غواية النص والكتابة، إلا انها في الجوهر تقود النخبة الثقافية في أكثر الحالات الى المصير نفسه، إما نحو صولجان المجد او نحو العالم المنسي. 

ما يميز بين النخبة السياسية والثقافية هو أن الابداع والكلمة أكثر مجدًا وخلودًا وديمومة من مقعد السلطة. 

لقد تمزقت دومًا النخب في مراتبها ومستوياتها الفكرية والسياسية والاجتماعية في خياراتها التاريخية – في لحظة من التاريخ – بين موقفين واضحين إما مع السلطة أو ضدها، في كفة المعارضة المرفوضة او مع بيروقراطية النظام وطواعيته وعبودية الوظيفة والمهنة، غير أن هناك نخبة ثالثة واسعة تختار الصمت ككتلة تاريخية مثقفة وعريضة. 

المعارضة والسلطة لها أبعاد ودلالات عدة في نهج وفكر النخبة وليس كما تفهم بتسطيح وضيق أفق نظري وسياسي. ففي المجتمعات القمعية الدكتاتورية تضيق الى أقصى الحدود الهوامش والحركة لدى النخب السياسية والثقافية المعارضة، إلا انها تتسع وتنمو وتتنفس بشكل أفضل في فضاء رئة حرة، وتتعمق كلما كانت بنية المجتمعات السياسية تحت مظلة دولة القانون واحترام الشرعية والدستور وإعطاء الفرد والجماعات حقا في المشاركة السياسية الكاملة. 

الديمقراطية بكل هنّاتها وثغراتها في العالم الحر والدول النامية الجديدة التي نهجت طريق الديمقراطية حديثاً، تبقى في النهاية في حالة الاستمرار والصيرورة المنتظمة في ذاك الفضاء الأرحب والأفضل لمعالجة الأخطاء والسلبيات دون قلق وخوف، بل وتمنع النخب الفكرية والثقافية والسياسية من لحظة السقوط الاخلاقي والمواربة والاختفاء خلف أكذوبة الرياء والنفاق والتدليس. ولا تخفي النخب المثقفة في زمن الرعب والقمع انهزاميتها وإنما تبرر سلوكها وقيمها وأخلاقياتها وتسّوغ لها، وأكثرهم تأزما وحيرة «النخب الوسطى» عندما تقف بين الفئتين في صراع النخب بين حالة مع السلطة وضدها، ومن هذه الشريحة تنبعث ظاهرة الوصولية والابتذال والانتهازية، وتصاب بالازمة الروحية وتتضخم لدى النخب السياسية الواعية لدرجة الإعياء والانتحار، لكونها تدرك عجزها وأن موقفها يخون وعيها وتسقط في لحظة تاريخية تحت سطوة رغبة الصعود نحو سلالم السلطة، ويا لها من سلالم طويلة وصعبة ومتعرجة وشائكة قد تستغرق زمنا ونهايتها خائبة ومحبطة. والأكثر من ذلك، أن النخبة تسقط متعبة دون أن تصل أحياناً عند عتبة بوابة نعيم وفردوس السلطة. 

مصطلحات ومفردات كثيرة كالثورية والأصولية والمجاهدين والنضالية والمثالية والنزاهة والشرف والفضيلة كلها كانت قيم نبيلة رافقت النخب وهي تحمل راية التنوير والنضال من أجل مستقبل الانسان ومجده، ولم يكن ذلك النضال في زمن السلم الاهلي او الزمن العاصف، بوسائل عنيفة أو سلمية، عاقلة أو متهورة ناجحًا على الدوام وعظيمًا في سعي النخب نحو أهدافها وغاياتها النبيلة. ومع ذلك تترك النخب خلفها آثارًا عميقة في التاريخ والمجتمع، ويتواصل ذلك مع مجريات الحياة وتتبناه أجيال قادمة وتحتذي من نبراسها، لكونها تعاطت مع الفكر والمعرفة والحكمة. 

تلك النخب وحدها التي تبقى في ذاكرة التاريخ. هولاكو وجنكيز خان وهتلر وغيرهم كانوا في أزمنة مختلفة نخب عسكرية وسياسية بصورة سوداء في تاريخ الإنسانية، أما كونفشيوس وبوذا وغاندي وأبو ذر والحلاج ولفيف من مفكري عالمنا القديم والمعاصر حفروا بصماتهم داخل ذاكرتنا، فالكتاب والكلمة أقوى صدى في جسد التاريخ حتى وإن قال المتنبي «السيف أصدق أنباء من الكتب !!».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها