النسخة الورقية
العدد 11091 الأربعاء 21 أغسطس 2019 الموافق 20 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:49AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:09PM
  • العشاء
    7:39PM

كتاب الايام

مخاطر الليبرالية الجديدة!

رابط مختصر
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440

يجهل الكثيرون مصطلح «الليبرالية الجديدة» أو «النيوليبرالية» رغم أنه النظام الاقتصادي الذي يحكم العالم منذ نحو أكثر من 30 عاماً، وتضرر منه الملايين من البشر حول العالم، وبات تعريفها بشكل دقيق مختصر مسألة صعبة شأنها في ذلك شأن أي مفهوم، لكن من السهل فهمها من خلال نتائج على الأرض، فهذا المذهب الاقتصادي يدعو إلى إطلاق حرية الأفراد وتقليص دور الحكومات في الاقتصاد لأكبر درجة ممكنة، ويشجع على إزالة الضوابط على حركة رأس المال الخاص، وبالتالي الخصخصة، ومعاداة التنظيمات النقابية وغيرها، وباختصار هو أحد أشكال اقتصاد «السوق الحر» لكن خصومه يرونه أكثر تطرفاً وإضراراً بالفقراء والعمال.

بهذا التعريف يمضي الكاتب سيد حبيل في الحديث عن مصطلح الليبرالية الجديدة من الناحية التاريخية إذ ظهر هذا المصطلح لأول مرة في اجتماع عُقد في باريس في العام 1938، شارك فيه المؤسسات الأولان لهذه الفلسفة، وهما «لود فيج فون ميسس» و«فريدرك حايك» وكلاهما اقتصاديان نمساويان يؤمنان بأن الديمقراطية الاجتماعية والتطور التدريجي لدولة الرفاهية في بريطانيا يشبهان «النازية»، حيث كتب كل منهما كتاباً مثلا أساساً للفكر الجديد.

ويعتقد الكاتب البريطاني «مون بيوت» أن عدم معرفة الناس باسم هذا النظام وحقيقته أحد أعراض وأسباب قوته، فقد لعبت الليبرالية الجديدة دوراً رئيسياً في مجموعة من الأزمات منها: الانهيار المالي الذي حدث في عام 2007، وانتشار مراكز الاوفشور المالية التي يخفي فيها الأثرياء أموالهم بعيداً عن سلطات الضرائب، والانهيار البطيء في قطاعات الصحة والتعليم، زيادة الفقر، انتشار الامراض النفسية، انهيار النظم البيئية، وصعود دونالد ترامب، ولكننا نتعامل مع هذه الأزمات كما لو أنها ظواهر معزولة، غير مدركين أنها جميعاً قد ظهرت وتفاقمت بسبب هذا النظام الذي يعمل وينشط ويؤثر دون أن يكون له اسم.

وترى «الليبرالية الجديدة» أن المنافسة هي السمة المميزة للعلاقات الإنسانية، وتعيد تعريف المواطنين بوصفهم مستهلكين، أفضل خياراتهم الديمقراطية تتمثل في قراراتهم بالبيع والشراء والبيع والشراء عملية تكافئ الجدارة وتعاقب عدم الكفاءة، فالسوق يحقق فوائد لا يمكن تحقيقها من خلال التخطيط المركزي للدولة!.

وبعد تولي «مارجريت تاتشر» رئاسة الحكومة في بريطانيا، و«رونالد ريجان» السلطة في الولايات المتحدة، تبنيا كامل أفكار المذهب الجديد: التخفيض الضريبي الضخم للأغنياء، سحق النقابات، إلغاء الضوابط على حرية النشاط الاقتصادي للأفراد المؤسسات، والخصخصة، والمنافسة من جانب القطاع الخاص على تقديم الخدمات العامة، ومن خلال صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومعاهدة ماستريخت، ومنظمة التجارة العالمية، فرضت السياسات النيوليبرالية – في كثير من الاحيان دون موافقة ديمقراطية – في معظم أنحاء العالم.

والمذهب الذي يقوم على حرية الاختيار – كما يقول مون بيوت – تم الترويج له تحت شعار «ليس هناك بديل» وترى «الليبرالية الجديدة» أن محاولات الحد من المنافسة عمل معادٍ للحرية، وتسعى للتقليل إلى أدنى حد من الضوابط على حركة رأس المال وتقليل الضرائب، وتستهدف خصخصة الخدمات العامة، وتعتقد أن تنظيم النقابات العمالية والمفاوضات الجماعية نيابة عن العامل تشوهات في السوق تعرقل تشكيل التسلسل الطبيعي للفائزين والخاسرين، وفي النهاية هي ترى عدم المساواة فضيلة، لأنها في حقيقتها مكافأة للكفء على كفاءته وفرصه لتوليد الثروة، والجهود الرامية إلى ايجاد مجتمع اكثر مساواة تأتي بنتائج عكسية، فالسوق وحده يضمن أن يحصل الجميع على ما يستحقونه!.

ومع الإلحاح في تكرار هذه الأفكار بدا الناس يتشبعون بها، فالأغنياء يقنعون أنفسهم بأنهم حصلوا على ثروتهم من خلال الجدارة، متجاهلين مزايا – مثل التعليم المميز والميراث والطبقة الاجتماعية التي قد تكون ساعدتهم على تحقيق هذه الثروة – ويلوم الفقراء أنفسهم على فشلهم، حتى عندما لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً يذكر لتغيير ظروفهم فإذا لم يكن لديك وظيفة فأنت السبب لأنك غير مؤهل وغير مبدع، وأنت المسؤول ايضاً عن عجزك عن تحمل التكاليف المالية للسكن والتورط في الديون وعدم قدرتك على إرسال أطفالك لمدرسة أفضل، وأنت المخطئ حين يزيد وزنك لأنك لم تستطع أن تتحمل تكلفة نادٍ رياضي!.

وفي عالم يحكمه التنافس يتم تعريف الفقراء بالضرورة على أنهم فاشلون، ويعتقد «بول هيجي» في كتابه «ماذا عني» أن «هذا النظام أدى لانتشار كثير من الأمراض مثل اضطراب الأكل، والاكتئاب والشعور بالوحدة، والقلق الدائم من فقدان العمل».

ولعل أخطر آثار الليبرالية الجديدة ليست الأزمات الاقتصادية التي سببتها، بل الأزمات السياسية، فمع تراجع دور الدولة تقلصت ايضاً قدراتنا على تغيير مسار حياتنا من خلال التصويت مما صرف الكثيرين عن المشاركة السياسية!.

وارتباطاً بما سبق من تحليل يوضح – كما يروي حبيل – كريس هيدجز الأستاذ بجامعة برنتستون، محرر وقع (TRUTHDIG) الامريكي، أن «الحركات الفاشية لا تبني قواعدها من النشطين سياسياً، ولكن من غير النشطين سياسياً، أي من الخاسرين الذين يشعرون في كثير من الأحيان أنهم على صواب، بانهم ليس لديهم صوت أو دور يلعبونه في المؤسسة السياسية، عندما لا يكون النقاش السياسي مجدياً إلينا، يصبح الناس أكثر استجابة للشعارات والرموز والإحساس، ولكل مؤيدي، الرئيس الامريكي دونالد ترامب، على سبيل المثال الحقائق والحجج تبدو غير مهمة».

في حين يلاحظ «مون بيوت» في كتابه «غالباً ما تخفى الكلمات التي تستخدمها النيوليبرالية أكثر مما توضح» مشيراً إلى السوق أن «السوق» يبدو وكأنه نظام طبيعي مثل الجاذبية والضغط الجوي يتعامل مع الجميع على قدم المساواة، ولكن الواقع أنه محكومة بالتربيطات ومصالح الأثرياء، وعندما تسمع كلمة «هذا ما يريده الشركات الكبيرة ورؤساؤها» ويضيف: رغم كل ذلك هناك شيء مثير للإعجاب حول المشروع النيوليبرالي على الأقل في مراحله الأولى، فقد كانت فلسفة مميزة ومبتكرة تروج لها شبكة متماسكة من المفكرين والناشطين مع خطة عمل واضحة وبصبر ودأب، ما جعل (الطريق إلى العبودية) الطريق إلى السلطة يعكس انتصار النيوليبرالية، ايضاً فشل اليسار، عندما فشلت الليبرالية الأولى أو اقتصاد السوق الحر، وقاد العالم إلى كارثة الكساد العظيم في عام 1929 وضع كينز نظرية اقتصادية شاملة لتحل محلها وعندما فشلت نظرية كينز في السبعينات، كانت النيوليبرالية البديل، ولكن عندما انهارت النيوليبرالية في عام 2008 لم يكن هناك بديل، هذا هو السبب في استمرارها حتى الآن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها