النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

سقراط شهيد المعرفة

رابط مختصر
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440

ارتبطت الفلسفة منذ وُجد الإنسان بالحياة في تفاصيلها، ولم تكن كما يعتقد البعض هذرًا لغويا صرفاً، ولا لعباً مجانياً بالجمل والكلمات، ولم تكن الفلسفة عند سقراط الذي عاش بين الأعوام 469 و399 قبل الميلاد، إلا سعياً للبحث عن العدل والفضيلة، وإصلاح الحياة وجعلها أكثر نفعاً، وبالنسبة له كمواطن يعيش في المجتمع الأثيني، كان هدفه من امتهان الفلسفة إصلاح المجتمع والدولة. 

ومن هذا المنطلق رأى سقراط أن الكمال الإنساني يكون في المعرفة، معرفة نفسك، بمعنى معرفة واجباتك تجاه الآخرين، ونمط العلاقة التي يجب أن تسود بين الأفراد والمجتمع. ولهذا الهدف سعى سقراط وحواريوه، إلى نشر أفكارهم الجديدة المتعارضة مع الفكر التقليدي السائد، الذي تسبب في قلاقل كثيرة في أثينا كان سقراط يحيلها إلى النهج الخاطئ في المجتمع والدولة. 

وستقودنا سيرة سقراط المثيرة للجدل إلى معرفة السبب الذي قاد المفكرين من بعده، بما فيهم مفكرو العصر الحديث، إلى اعتباره معلماً ومؤسساً لعلم الأخلاق والمنطق وداعية للفضيلة، وليس غريباً بعد ذلك أن يصبح سقراط مهماً في العصر الحديث، كما كان مهماً في العصر القديم، فقد استفاد من أفكاره فلاسفة كل العصور، وليس الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكار ( 1596 – 1650) صاحب الشك الديكارتي إلا واحداً منهم. 

كان سقراط يستخدم هذا المنهج الذي يثير الأسئلة في البداية، في دروسه التي يقدمها لرواد مجلسه في أثينا، وتلاميذ سقراط في هذه الحلقات الدراسية، هم أنفسهم سيصبحون أعلاماً ومشاهير في أثينا، ومنهم الفيلسوف الشهير أفلاطون وزينوفون وغيرهم. وكان يحضر هذه الدروس الكثير من شباب أثينا المتحمس لأفكار سقراط الجديدة والصريحة والمنطقية. 

كان سقراط في هذه الحلقات التي تكتض بشباب أثينا يعرض نفس الأفكار التي سيعرضها الفلاسفة من بعده حتى العصر الحديث، كما سيعتمد هؤلاء الفلاسفة على الأساليب المنهجية ذاتها التي إستخدمها سقراط في المنطق والحوار والبحث، فأفكار مثل الأخلاق والفضيلة والعدل، وحرية الرأي والتفكير الذاتي، والعقل المجرد، التي هي مادة الفلسفة في العصر الحديث كان سقراط يبحثها ويعطي فيها دروسه التي استفاد منها فلاسفة اليونان عندما كان بعضهم تلاميذاً لسقراط. 

كان هذا الفيلسوف المعارض للدولة والمجتمع في نفس الوقت، يبحث عن نظام مثالي للمعرفة، يقود إلى حياة مثالية لا شوائب فيها. والمنهج السقراطي الذي لا يزال يستخدم اليوم في التعليم والتربية، كان يعتمد على إثارة مجموعة من الأسئلة حول موضوع أو مفهوم معين والبحث في معناه وتفاصيله، بقصد الوصول إلى إجابة كاملة ودقيقة في الموضوع أو الحالة المعروضة للحوار. كان سقراط يتعرض في هذه الجلسات، لكل المفاهيم السائدة التي يجب بحثها من وجهة نظره، بما فيها المفاهيم المتوارثة المستقرة التي يعتقدها الأثينيون في ذلك الوقت ويقدسونها. 

في دروس سقراط لا شئ يحد الخوض في معرفة كل شيء يتعلق بالمجتمع والدولة وطرق العيش. 

لذلك أثار حفيظة النظام الديمقراطي الأثيني، الذي لم ينج من نقده اللاذع، الذي كان يحفز الشباب على التفكير المنطقي في كل الأمور الحياتية، دون استثناء. وهذا الأمر كان يستفز حكام أثينا ويفزعهم، فسقراط يوجه نقده للدولة الأثينية، كما للعادات والتقاليد الاجتماعية السائدة، ويحفز الشباب على التفكير الحر دون سلطة خارجة عن إرادته تجبره على قبول الأفكار القائمة والجاهزة. بين هؤلاء الشباب كان هناك من يبحثون عن النظام الأكثر عدالة، والمجتمع الذي لا يكون فيه أسياد وعبيد، وهي أسئلة لا زالت راهنة وملحة فهذه التقسيمات الاجتماعية لا زالت سائدة في العالم، وإن بشكل أخف، كما أن العدالة لم تتحقق في العالم حتى هذه الساعة، كما رآها سقراط والفلاسفة المعاصرين. 

هذا الأمر يفسر لنا ربما، لماذا اعتمد الغرب في بناء حضارته الحديثة على هذا الميراث الإغريقي العظيم. الشك السقراطي ومنهج الإستقصاء، لا يكل من إثارة الأسئلة ومطاردة الإجابة، ويعتقد ضمناً أن عدم إثارة الأسئلة على الثوابت (والمستجدات أيضا)، يؤدي إلى الانغلاق والجمود، فالمعرفة يجب أن تكون مفتوحة ومتصلة وحرة، وما يكون نافعا اليوم، قد لا يكون كذلك غداً، وبالتالي، لا بد من تغييره. 

يعتبر الكثير من الفلاسفة أن سقراط هو أكمل رجل في العصور القديمة، فقد كان يفعل ما يقول، ولا يساوي المال بالفضيلة والأخلاق، وقد عاش فقيرًا، هو الفيلسوف العظيم، الذي حقق لنفسه مجدًا دائمًا. كان المجد عند سقراط، هو أن يحقق الإنسان هدفًا نافعًا، يتفق الناس على نفعه، فيستحق صاحبه الخلود، وقد فعل هو ذلك، وبامتياز بشهادة الكثيرين الذين جاءوا من بعده، في عصور قديمة لاحقة ومعاصرة أيضا. 

وقد عرّى سقراط في نقده اللاذع الدولة الأثينية، فاتهمته بالهرطقة والتشكيك في آلهة أثينا، وإفساد الشباب والخروج على الأعراف السائدة. كانت محاكمة سقراط مثيرة للغاية، فقد قدحت عقول الفلاسفة والإنسان العادي على حد سواء. 

طالبت المحكمة سقراط أن يعود عن أفكاره، ويطلب الرحمة فسخر من قضاته، وقال لهم إن هذا أشبه بأن نطلب من الجندي أن يفر من أرض المعركة فقط لأن هناك احتمال أن يموت فيها، ذلك كان يعني أن سقراط لا يتراجع عن الموت في سبيل أفكاره ومبادئه. 

حكمت المحكمة أن يموت سقراط قسراً بشرب سم نبات الشوكران فتجرع كأس السم وهو يبتسم. وقد توفرت لسقراط فرصة الهروب من السجن بمساعدة أصدقائه ومريديه، لكنه رفض الهرب، احتراماً للقانون الأثيني، مؤكدا أن احترام القانون هو واجب أخلاقي في حد ذاته.

 لم يكتب سقراط كتاباً واحداً في حياته، ولكن تراثه الفلسفي نقله طلابه ومنهم أفلاطون وزينوفون وغيرهم، هؤلاء كتبوا تفاصيل دروسه الفلسفية ونقلوها للأجيال التي جاءت من بعده، خصوصا ما كتبه أفلاطون في حواراته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها