النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

أهمية تماسك الجبهة الداخلية

رابط مختصر
العدد 11057 الخميس 18 يوليو 2019 الموافق 15 ذو القعدة 1440

تصبح مسألة العلاقات والروابط في المجتمعات البدائية والقبلية مرهونة كون رابطة الدم والتزاوج والنسب تستنهض في وقت الشدائد والمصائب، ومن اهمها عندما تهاجم قبيلة ما قبيلة أخرى مما يدفع بكل عناصر القبيلة الى حالة الاستنجاد والاستغاثة، تلك الحروب القبلية التي كانت في الاساس قائمة على النهب والسلب والانتقام لثارات القبيلة وأفرادها ذابت مع مرور الوقت حين انبثقت مجتمعات جديدة قوامها سيادة الارض واللغة والتاريخ والوطن، ومن هنا يتسع مفهوم التاخي والتآزر بين عدة قبائل في جسم مجتمعي واحد وجديد، وتتشكل أسس ومواثيق وعهود بين هرم المجتمع وقاعدته، وتتبلور مفاهيم مختلفة عن مفهوم الرعية نحو مفهوم جديد ارقى هو المواطنة ومجتمع أكثر تقدماً وتطوراً هو مجتمع الدولة والمجتمع المدني والسياسي، عن ميثاق شرف القبيلة، حيث يصبح ميثاق شرف الدولة والمجتمع والمؤسسات الدستورية أكثر وأرقى من تكوينات وتجمعات قائمة على مصالح الماء والكلأ وعلاقات الجوار والنسب. 

في تلك المجتمعات التي تنشأ على أسس من «العقد الاجتماعي» فإنها في الوقت ذاته تترجم المجتمع في حالته المؤسساتية والطبقية، وتبحث عن ضرورة خلق مناخ من التوافق بين تلك الألوان والأطياف المجتمعية ذات المصالح المتباينة والمختلفة، غير أن المفهوم الاهم والأعمق هو الانتماء الضروري لدى الفرد للوطن كمظلة واسعة يحتمي تحتها وبها الشعب /‏ المواطنين، فمن خلال الوطن والمواطنة تتم عملية إدراك الجماعات لحقوقهم ومسؤولياتهم وواجباتهم حتى وان كانوا يشكلون في بنية ذلك التكوين الاجتماعي فئات وطبقات متصارعة ومتآلفة ومنسجمة ومتناقضة، تنعكس وتتجلى حقيقتها في الواقع اليومي للناس، وهم يتقاسمون ويتبادلون السلطة والثروات والمهمات بشكل متباين وفقاً لهيمنة وتناسب القوة بين الاطراف جميعها وهي في حالة تنازع مستمر.

 فاذا ما كانت هناك جبهتان تتحركان في داخلهما تلك المجتمعات، الجبهة الداخلية والجبهة الخارجية، فإن لكل جبهة خصائصها وعناصرها المحركة، والمجتمع يظل مشدود بتلك الجبهتين على الدوام في ظروف مستقرة وشروط وظروف متغيرة عدوانية تؤدي الى خلخلة الجبهة الخارجية، حيث ظروف الحرب والسلم تفرزان حيوات جديدة في عملية نشوب الصراع السياسي والاجتماعي، بين شعب مضطرب ومفكك في الداخل وشعب تائه ومرتبك ومتردد مع مهددات الخارج الشرس.

 ولدى الشعوب والإنسانية تجارب غنية في عملية التماسك الداخلي، ليس بالضرورة في حالات الحروب والمواجهات العسكرية، وإنما بتنظيم الناس انفسهم كمجتمع مدني عند اندلاع تحديات طبيعية وبيئية كالفيضانات والزلازل والامراض الخطيرة المدمرة والكوارث التي تنجم عن الحرائق الكبيرة في الغابات والمدن، وقد تكون ناتجة عن عمل ارهابي واسع النطاق. 

في مثل هذه الظروف، تحتاج المجتمعات أولاً وأخيراً لوجود جبهة داخلية متماسكة، وشعورا عاماً من المجتمع أنهم يدافعون عن وطنهم في هذه اللحظة من خطر تكلفته باهظة متى ما توقفوا متفرجين. هذه الجبهة الداخلية او الخارجية، تكمن اهميتها في نضوج الشعور العام لدى المواطن العادي أو النخب، بأن هناك عدواً خارجياً لابد من مواجهته بشتى الطرق ودون تردد. 

وتبقى حالة الحرب والعدوان على الوطن ومقدراته وحياة شعبه وسيادة دولته حالة لا يمكن التردد حولها، فالشعوب بكل تجاربها السياسية والحياتية تصطف في زمن الحرب في جبهة شعبية متماسكة وواسعة للدفاع عن الوطن، الذي تكمن أهميته في تلك اللحظة بمدى ما يمنحنا من شعور وانتماء وعلاقة مادية وروحية للارض والشعب، ففي تلك اللحظة تتبلور نزعة قومية ووطنية تتخطى المفاهيم والتفسيرات الطبقية لطبيعة الصراع القادم من طوفان التهديد الخارجي للوطن. 

أمامنا تجارب حروب وشعوب منذ تشكل الدولة القومية الحديثة وادراك معنى السيادة وكيف تماسكت الجماعات باختلاف اطيافها عند لحظة الهجوم الخارجي. عندما تطرح الدول والأحزاب في زمن الحرب شعار: «الوطن في خطر» أيا كان هذا النظام في ذاك الوطن، فإن الشعوب برمتها التي تقاتل، ليس بالضرورة متفقة مع نمط السلطة او الحزب او الطبقة، وإنما مدركة بوعي في الدفاع عن الوطن والوطن وحده دون تنظيرات متفسخة عاجزة مع من نكون في هذه اللحظة؟ كان محقاً شكسبير في سؤاله الإشكالي التاريخي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا