النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

تجارب حكومات الظل

رابط مختصر
العدد 11057 الخميس 18 يوليو 2019 الموافق 15 ذو القعدة 1440

عندما تدخل الأمة في نفق أزمة طاحنة، كالتي تمر بها الأمة العربية اليوم، تنكب مكونات العمل السياسي النشطة في ميدانها على العمل بحثًا عن مخرج ينقذ الأمة من تلك الأزمة. وبينما تمارس بعض تلك المكونات ذلك من منطلق أصيل، لا يمكن غض البصر عن اندساس بعض العناصر الانتهازية الباحثة عن دور أولاً، وعن موطئ قدم سلطوي ثانياً في تلك العملية، هادفة إلى مصلحة فئوية في أفضل الأحوال، وذاتية في أسوأها.

ويرى البعض في تشكيل ما يعرف باسم «حكومة ظل»، أحد المخارج السليمة من مثل تلك الأزمات. وتجمع المصادر على أن موطن مفهوم «حكومة الظل»، هي بريطانيا، التي يصنفها الكثيرون بأنها «أعرق الديمقراطيات المعاصرة»، وأن تاريخ ولادته يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر. ثم، وكما يؤرخ البعض «تراكمت الممارسة إلى أن أصبحت قاسماً مشتركاً في الحياة السياسية البريطانية منذ منتصف القرن العشرين، وعليه فإن (حكومة الظل) بالفعل مرادف منطقي لديمقراطية الحكم، وما تناله من تقدير مجتمعي، ما هو إلا جزء من ديمقراطية المجتمع ككل».

وعبر تاريخه الطويل مرَّ هذا المفهوم بالكثير من الطرق الملتوية، وعرف حالات من الصعود والهبوط، قبل أن يستقر على أرض الواقع والممارسة، كما تذهب بعض المصادر، «في خمسينيات القرن العشرين، (حيث) تطور أسلوب المعارضة مع نشأة الديمقراطية فأصبحت حكومة الظل جزءًا مهمًا وأساسيًا من العملية السياسية في بريطانيا، ويطلق على حكومة الظل في كل من بريطانيا وكندا وأستراليا اسم المعارضة الوفية لجلالتها وذلك في إشارة للملكة إليزابيث، ووجود هذه الحكومة في بريطانيا هو أمر قانوني منصوص عليه في الدستور، كما يتم تخصيص مخصصات مالية سنوية لهذه الحكومة». 

ولم تكن البلاد العربية بعيدة عن المفهوم، ولا محاولة خوض تجربة ممارسته، ففي مطلع العام 2017، كانت المغرب، من بين الدول العربية التي أعلن الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة فيها، إلياس العماري، «عن تشكيل لجنة لإطلاق مبادرة ما يصطلح عليه بـ(حكومة الظل) المعمول بها في العديد من التجارب الديمقراطية، (مؤكدًا أن حزبه) سيكون ثاني حزب في إفريقيا، بعد مصر».

واستطرد العماري شارحًا خطواته التنفيذية لبناء حكومة الظل قائلاً إن «تجربة المغرب السياسية، سواء على المستوى التشريعي أو التنظيمي، متأثرة بالمدرسة الفرنسية، لكن في المقابل هناك تجارب سياسية ناجحة في العمل السياسي والحزبي، وبالخصوص في عمل المعارضة، وهي التجربة الإنجليزية». 

وتحاشيًا لأي لبس، فإن «حكومة الظل» ليست كيانًا موجودًا معترفًا به كدولة رسمية، بقدر ما هو تركيبة إدارية تقوم على أرضية سياسية، تكون مهمتها، في الأساس، ممارسة رقابة مسؤولة على أداء الحكومة القائمة. وعادة من يتم تشكيل مثل هذه الحكومة، من القوى السياسية التي خسرت معارك تشكيل حكومة، وخاصة الحكومات البرلمانية منها. ولعل التجربة البرلمانية هي الأكثر نضجًا في هذا المجال إذ تشكل المعارضة حكومة ظل متكاملة، يطلق عليها وصف «الحكومة الوفية». وهي لا تمارس أي شكل من أشكال السلطة، لكنها بالمقابل «تكون موجودة كبديل يضمن الاستقرار وسرعة تشكيل الجهاز التنفيذي اذا غيّر الملك الحكومة وهنا مقصدها هي أن تكون بديلاً يقنع الشعب بأن لا فوضى عقب أي تغيير ثوري قادم، وايضا انها تضمن للثوار نتائج تختلف عن نتائج الثورات السابقة».

وتعتبر مصر، وتحديدًا «حزب الوفد»، في حلته الجديدة من الدول العربية التي ولجت طريق تشكيل «حكومة ظل»، انطلاقًا من مسؤولية الحزب، كما يقول الكاتب المصري عصام شيحة، «الوطنية تجاه تفعيل ما في الدستور من تأكيد على حتمية التعددية السياسية والحزبية. وهي خطوة يندفع إليها الوفد بضغط من دوره التاريخي في حمل لواء الحياة السياسية». ويدعو شيحة حزب الوفد المصري، إن أراد لتجربته في بناء «حكومة ظل»، ناجحة ومؤثرة، في آن، «من الضروري أن تخرج عن أي صراع على المواقع العليا بالحزب، ومن ثم لا ينبغي أن تندرج ضمن الملفات الساخنة التي تزخر بها الحياة الحزبية بشكل عام. إذ أن نجاح (حكومة الظل) الوفدية لا يمكن أن يستند إلى جهد أعضائها فحسب، دون مساندة من مجمل مكونات حزب الوفد، بمؤسساته، ورموزه، وكوادره، أينما كانت مواقعهم من الوفد حالياً. بل أزعم أن نجاح (حكومة ظل) الوفد سيسهم كثيراً في حل الكثير من الاختلافات في الرؤى داخل الحزب، إذ سيلتف الجميع حول «مولودهم»، يدفعونه إلى مستقبل واعد يمكن أن يُعيد الوفد إلى السلطة بإرادة شعبية حرة لطالما كان الوفد ضميرها الحي». ولا تخلو التجربة العربية من بعض المثالب، عندما يتعلق الأمر بتطبيق وممارسة مفهوم «حكومة الظل»، يعود البعض منها، كما يرى الباحث الفلسطيني هاني حبيب، إلى التكوين الحضاري لذهنية قيادات العمل السياسي العربي، في حين يعود بعضها الآخر، كما يؤكد الباحث، إلى النزعات الانتهازية التي ما تزال تتحكم في سلوك العمل السياسي العربي. ويؤكد حبيب، أنه يصعب القبول بـ «حكومة ظل»، يمكن أن توصف بـ «الوفية»، كما هو الحال في دول مثل بريطانيا، في ظل انقسامات تفتيتية تعاني منها القوى العازمة على تشكيل «حكومة ظل» على النحو المتعارف عليه عالميًا. 

ومن التشويهات الأخرى التي واكبت مسيرة التجربة العربية، عند الحديث عن حكومة الظل، بمفهومها الشامل المتحضر المتعارف عليه دوليًا، مقارنة بالنسخة العربية منه، هو عندما رأت بعض القوى السياسية العربية، كما تكشف أدبياتها أن استخدام تعبير «حكومة ظل» هو وسيلتها التي «تتيح سبيلاً إلى مغازلة السلطة، ودعم الحكومة».  ومن هنا يرى البعض صعوبة «إنشاء ووجود حكومة ظل في البلدان العربية وذلك لأن أحزاب المعارضة في الدول العربية تقوم على الفئوية والإقصاء وأحياناً التخوين لمن يعارضها ويعتنق أفكار مخالفة، حيث تتطلب حكومة الظل وجود نضج دستوري ووعي سياسي كامل بالديمقراطية الحقيقية».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها