النسخة الورقية
العدد 11152 الإثنين 21 أكتوبر 2019 الموافق 21 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

دفاعًا عن المثقفين:

دعاوى الاستقالة من المسؤولية المجتمعية

رابط مختصر
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440

قال الصديق:

لماذا يسكت مثقفون أمام ما يحدث من تحوّلات السياسة والمجتمع وأمام النكوص عن الثوابت، وأمام العنف والفوضى والتوحش والبؤس الطائفي؟ 

فهل هو التنصل من المسؤولية السياسية والاجتماعية، أم هو الخوف من الإصداع بالرأي نتيجة غياب الحرية، أم أن الأمر يعود بكل بساطة إلى طبيعة المثقف العربي وموقفه المتذبذب الناجم عن موقعه في الهرم الاجتماعي؟ أم أن المسألة برمتها تعود إلى تفضيل العديد منهم الجلوس على الربوة؛ لأنها أكثر أمانًا وأقل كلفة؟

 قلت:

- إن في بعض مضامين هذه الأسئلة ظلماً شديداً للمثقفين، كما أن في هذه الاستنتاجات ظلماً آخر لا يقل ظلماً عن سابقه، لأن المثقف بطبيعته ضد العنف وضد الفوضى وضد العنف والتعصب والطائفية على تنوع مشاربهم ومدارسهم، كما أن بعضهم قد يبدي رأيه صراحة فيما يمتنع البعض الآخر-لأسباب مختلفة- ولكنه الخوف الذي قد يعتري البعض أمام الأحداث الجسام فيربكهم (كبشر)، فيمتنعون عن الكلام المباح وغير المباح، كما قد يمتنع البعض عن أي كلام لعدم ثقته في الجميع، بعد اختلاط الحابل بالنابل، وارتباك القيم واهتزاز الثوابت، وخصوصاً في ظل ما يتعرض له المثقف من تهميش مزمن حتى من ظلم، جعله ينكفئ على الذات، وأصبح لا يرى له مصلحة في هذه المعارك العديدة لأن أغلبها معارك مزيفة غير مجدية. كما يجب الإقرار بأنه ليس كل المثقفين قد لاذوا بالصمت، بل إن العديد منهم قد رفعوا أصواتهم عالياً في مواجهة الإرهاب والعنف والتطرف والطائفية والفساد، بالرغم من الأذى الشديد الذي تعرضوا له، بل ودفع بعضهم ثمن مواقفهم غاليا من حياتهم.. فلذلك أرى أن إصدار مثل هذه الأحكام القاسية على المثقفين (هكذا) بصورة إجمالية موقف غير موضوعي وغير منصف.

 قال محتجاً:

أنا أتكلم عن هؤلاء المثقفين عديمي الشجاعة، الذين يساندون الحرفية والتخلف، ويخشون مواجهة الطائفية، ويسكتون عن الخرافة والسخافة والبلادة والظلم، ويتخلون عن دورهم في التنوير والتحرير.

 قلت: 

إنك تنظر الى المثقف وكأنه كائن خارق للعادة خارج على نطاق الآدمية، في حين أنه جزء من كيان هذه الأمة المغلوبة على أمرها، المرهقة المسكونة بالخرافة والفوضى. ولكني شخصياً ما زال يحركني الأمل والثقة بأن التاريخ يتحرك إلى الأمام وأن المثقف ما يزال بإمكانه مواجهة الرداءة والبلادة، والفساد والجهل.

ومع ذلك يجب أن نعترف بأن هنالك أزمة ثقافة وأزمة مثقفين كما أن هنالك أزمة مجتمع وأزمة سياسة وأزمة اقتصاد، يمكن أن نستعرض وجهين من هذه الأزمة: الأول يتعلق بضعف أو حتى غياب الالتزام عند بعض مثقفينا، والثاني يتمثل في تراجع قيم العقل والعلم عند البعض الاخر، واستشراء «ثقافة» تقدس الخرافة وترفع من شأن الهلاميات اللغوية.

 وكما يقول الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر: إن عالم الذرة في المعمل وهو يجري الاختبارات المعقدة على فصل عناصر الذرة، لا يعد مثقفاً فهو مجرد (عارف) متخصص، إلا أن هذا العالم نفسه عندما يعي خطورة الاستخدامات العسكرية للذرة على حياة الإنسان ومستقبله ومستقبل بيئته، وقرر أن يوقع على بيان ما، فإنه ينتقل في هذه اللحظة من كونه مجرد مختص إلى مثقف، لأنه في هذه الحالة يخرج من كونه (عارفاً) إلى منطقة الثقافة، ويغادر كونه (مختصاً) ليعبر عن ضمير الناس. فالمثقف يجب أن يعبر عن ضمير المجتمع باعتباره حاملاً للوعي الاجتماعي. وإن أكثر ما يؤلم هو غياب قيم الالتزام أو تراجعها حتى أصبح الصمت أداة رئيسية لتحقيق الانسجام مع الواقع، وبذلك استشرت (قيم) القدرية والتقية وتحولت إلى أدوات أساسية في العمل الثقافي. أما بالنسبة للبعد الثاني من الموضوع فيجب التأكيد على أن العلم نسبي بالضرورة لأنه إنساني، يلتزم بوسائل العقل ويستند إلى قوانين دقيقة وصارمة لا علاقة لها بالإعجاز، وهذه تكاد تكون بديهية عند جميع الشعوب التي تجاوزت مرحلة المنهج السحري الذي ينكر حاجة العلم إلى العقل. ولكن ظاهرة الخلط بين العلم وغيره مازالت مستشرية عندنا على نحو مرعب، وما زال هنالك من يتحدث عندنا بجدية كاملة عن (العلم) مقرونا بالخرافة، بل هنالك من يتحدث اليوم عن علم سحري خارق لا يخضع لقواعد العقل الأساسية، وهو من أعظم المدهشات في هذا العصر. ولذلك أعتقد أنه ما لم يفترق الفكر عن الخرافة، والعقل عن العاطفة، والتحليل المستقبلي الواعي عن التهريج، فلن نبني حضارة، ولن نغير صورة الانحطاط. فمجتمعاتنا ما يزال يحركها انفعال عشوائي أو غوغائي، لا يقوى على استعمال العقل النقدي إلا نادراً. فأغلبنا تعلم وتثقف على التسليم والقناعة والرضا، والخوف من حرية الفكر، والمثقف أو الكاتب في بلاد العرب جزء أصيل من هذه البنية... وبالتحليل العلمي لأنساق الخطاب الثقافي المتداول، نكتشف أنه مكون من شبكة من ذهنيات الجهل والتخمين، والتردد والكسل والخوف والخرافة، وذهنيات النفاق، والتبرير والوهم والاتكالية، وهذه الذهنيات هي من أهم مكونات حياتنا. وعليه فالمعركة تبقى معركة الجميع، معركة الدفاع عن أمن المجتمع واستقراره وتنميته وحريته في ذات الوقت، والذي يتخلف عن الوقوف مع الوطن ومصلحته ومع العقل والتنوير يكون قد تخلف عن أداء رسالته الثقافية والإنسانية معا..

 همس

من رسالة لأبي حيان التوحيدي من كتاب الإشارات الإلهية:

«سألتني - رفق الله بك، وعطف عليَ قلبك - أن أذكر لك الغريب ومِحَنهِ، وأصِفَ لك الغربة وعجائبها، (.... ) فكيفَ أَخْفِضُ الكلام وأرفعْ، وما الذي أقول وأصنعْ، وبماذا أصبر، وعلى ماذا أجزع؟ وعلى العلاّت التي وصفتها والقوارف التي سترتها أقول:

إنّ الغريبَ بحيثُ ما حطّت ركائبهُ ذليلُ

ويدُ الغريبِ قصيرةٌ ولسانه أبدًا كليل ُ

والناسُ ينصرُ بعضهم بعضًا وناصره قليلُ

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها