النسخة الورقية
العدد 11095 الأحد 25 أغسطس 2019 الموافق 24 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

شيء ما عن التنمية..!

رابط مختصر
العدد 11055 الثلاثاء 16 يوليو 2019 الموافق 13 ذو القعدة 1440

إلى الذين ما انفكوا يحدثوننا عن التنمية، ويحاضرون فيها، ويعقدون باسمها الاجتماعات والندوات والمؤتمرات، ويستعرضون فيها تجارب الدول المتقدمة في التنمية، ويصدرون حولها الرؤى والدراسات والتوصيات، ويسافرون من أجل الاطلاع على تجارب الدول الأخرى في التنمية، الى هؤلاء وغيرهم، نقول إن التنمية الحقة هي «تنمية الناس من أجل الناس وبواسطة الناس، هكذا وصف برنامج الأمم المتحدة التنمية، وهذا يعني أنها عملية مجتمعية تكاملية شاملة ودائمة، المواطن فيها الغاية والوسيلة والهدف»..

التنمية قضية القضايا ولا تزال، وهي من هذه الزاوية تعني تحقيق نهضة عامة، تعني الرقي بالمجتمع بجميع أركانه ومكوناته، وتعني بناء التنظيم المجتمعي، وتعني أيضاً العدالة الاجتماعية والقضاء على الفساد، تعني زجّ جميع قوى المجتمع في عملية دفع ذاتي للعمل والبناء والإنجاز، تعني آفاقًا واضحة لمصالح المجتمع والقواعد الرشيدة للمضي بالمجتمع الى الأمام، تعني ايضاً كما قال الدكتور غازي القصيبي في كتابه التنمية.. الأسئلة الكبرى «درجة من التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهي في محصلتها النهائية وسيلة وليست غاية، وسيلة نحو الارتفاع بمستوى الانسان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي»، مضيفاً «إن كل ما يؤدي، على أي نحو الى الإضرار بالإنسان، جسداً او روحاً، لا بد وأن يكون عملاً معادياً للتنمية حتى لو ارتكب باسمها»، ولا ننسى دور الذهنية التنموية، هذه الذهنية لا تبحث عن حلول سريعة اذا كانت السرعة غير مقترنة بالكفاءة، وهي قادرة على أن تحقق الكثير، تتبنى وتعتمد وتنفذ سياسات وبرامج ومشاريع تنموية مطلوبة ولازمة، وقادرة أن تتعامل بفعالية مع المعضلات التي تواجه المجتمع، بدلاً من المسكنات والإجراءات الرمزية او الترقيعية، والقصيبي يرى في إشارة لها دلالة أن «هذه الذهنية تستطيع أن تنفذ المشاريع بحدٍّ أدنى من التكلفة بدلاً من الحد الأعلى الذي نراه الآن في كل مكان من العالم الثالث»، وعليه فإن الذهنية التنموية، والتنمية يعبران بالنهاية عن إرادة وطنية واعية بمصالح المجتمع والوطن، وإلا تحولت الى «مجهود مستميت لنقل قشور العالم الأول»، والمأساة برأي القصيبي بدأت عندما استقر في الأذهان أن التغيير في حد ذاته، يعني التنمية»..!

لا يكفي أن نرفع «بمناسبة ومن مناسبة» شعارات من نوع المواطن هو غاية التنمية فيما هو يعيش على هامش التنمية، ويغيب عن بالنا أن التنمية ليست العمارات الشاهقة، والمجمعات السكنية، وليست المصانع الجاهزة المستوردة في الآلات والأفكار والمهارات والإدارات، وليست كيانات رسمية جديدة نملؤها بموظفين معظمهم لا يعملون ولا ينتجون، وليست التنمية في شراء أحدث الأجهزة والمعدات، او إقامة المشاريع غير المنتجة، او عقد الصفقات او تنظيم المناقصات..!

الحديث عن التنمية يصبح مفرغاً من مضمونه عندما تكون التنمية وإدارة التنمية بكل مقتضياتها وتعقيداتها ومنطلقاتها بمثابة ترف فكري، ترف يجعلنا ننشغل بالشعارات عن المضامين، عن الجوهر، شعارات ننشغل او نُشغل بها، نتداولها في المناسبات للتدليل على تقدمنا في التنمية، في الوقت الذي نمارس ما يناقض او يشوّه او يعطل التنمية الحقة، سواء من خلال عدم تمكين أصحاب العلم والكفاءة والاختصاص من قيادة المنظومة التي تحقق التنمية، او عجز التعليم والجامعات ومراكز الدراسات والبحوث من أن يكون لها دور حقيقي في قضية التنمية، ولذلك ليس غريباً أن يذهب البعض الى أن ما تشهده المنطقة بوجه عام ليس تنمية بل نمواً من منطلق أن التنمية تقوم على قاعدة إنتاجية قادرة على الاستمرار في المدى الطويل، وتحقيق زيادة حقيقية في الدخل الوطني، وفي دخل الفرد، وتوفير فرص العمل التي تشكل قيمة مضافة للوطن وللمواطنين.

أمامنا أمثلة لنماذج متقدمة في التنمية، سنغافورة، الصين، الهند وماليزيا كلها وغيرها حققت معدلات عالية في التنمية، ابحثوا عن الأسباب، ستجدون أن هذه الدول أعطت الاعتبار لدور العقل وقيم التقدم والإنتاج، ومكّنت أصحاب العلم والكفاءة والخبرة والاختصاص من قيادة منظومات العمل، وجعلت القيادة ثقافة مؤسسية تفرّق بين القيادة والإدارة، القادة قادة، وليسوا موظفين برتبة قادة، القادة يخلقون الرؤى، التوجهات، والسياسات والأهداف الواقعية والخطط المدروسة والفاعلة والخاضعة للمتابعة والقياس والمحاسبة، أما الادارة فهي ذات ذهنية تنموية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالعلم والكفاءة والقدرة على إدارة التنمية والتعامل مع متطلباتها ومتغيراتها وتعقيداتها وتحدياتها، إدارة تمتلك القدرة على التخطيط وعمل الأشياء الصحيحة بطريقة صحيحة، إدارة تفتح آفاقًا تعظّم القدرات الذاتية، والنشاطات الابتكارية، وترفع الإنتاجية، وتحارب الفساد، ولا تتبنى برامج ومشاريع لا تخدم أهداف التنمية بقدر ما تخدم مصالح خاصة لفئات محددة، ولا تعطي الفرصة للفاشلين وللأزلام والمحاسيب والأتباع ومن لا يعرف لهم عملاً محدداً، ومن لا يفهمون من التنمية إلا اسمها..!

إن ثمة أمرًا لا يجب أن يغيب عن البال دوماً طالما الحديث عن التنمية، وهو الدور البالغ للتعليم في تحقيق التنمية الحقة، وكان الدكتور القصيبي محقاً حين قال إن الطريق الى التنمية يمر، أولاً، بالتعليم، وثانياً بالتعليم، وثالثاً بالتعليم، فالتعليم هو الكلمة الأولى والأخيرة في ملحمة التنمية. 

اذا كنا حقاً ننشد التنمية الحقة، علينا أن نلتزم بمساراتها وبمقتضياتها وبمضامينها الصحيحة، وأن نبتعد عن القوالب الشكلية والتفضيلات الشخصية في التعيينات، ولا نفسد القواعد الإجرائية التي تتجاهل او تستبعد او تحاصر الموهوبين وأصحاب الكفاءة وتفسح المجال للانتهازيين وقوى الجهل والفساد الاداري، وأن نفسح المجال للإبداع والابتكار وللقادرين وعلى وضع الرؤى السليمة واتخاذ القرار السليم وعلى تحمل المسؤولية بشكل سليم، باختصار نضع الشخص المناسب في المكان المناسب والذي يعطي المسؤولية معناها، لا يتهرب منها ولا يتنصل من التزاماتها، وأن نولي كل العناية والاهتمام بالأساس وهو التعليم، هذا اذا كنا جادين في بلوغ التنمية الحقة المرتبطة بالمستقبل والمصير وحق الناس، نكرر حق الناس، وإلا فالتنمية معاقة..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها