النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

أمريكا وإيران والتجاذب اللدود بينهما

رابط مختصر
العدد 11055 الثلاثاء 16 يوليو 2019 الموافق 13 ذو القعدة 1440

تفاعل العلاقة بين إيران وأمريكا أعجوبة هذا العصر، هذا العصر الذي نختزل امتداده من لحظة الإطاحة بالشاه ذات التاج وحكومته الملكية إلى اليوم، حيث يتربع جمع من آيات الله ذوي العمائم على عرش السلطة، سلطة دينية-مذهبية، وهي دينية بعموم الهوية العقيدية ومذهبية بخصوصية التمايز ذاتياً والتفرع الفقهي-السياسي (وبتعبير أدق «تفرع سياسي-فقهي، وهذا موضوع قائم بحد ذاته).

الأعجوبة، وهي حزمة من العجائب، في أمر العلاقة بين البلدين، هي أن الشاه كان حليفاً فاعلاً لامريكا، استجاب الشاه لسياسة أمريكا في ظفار في الستينيات من القرن الماضي وفي القرن الأفريقي في السبعينيات، واستجاب الشاه لمواقف وقرارات امريكا في الامم المتحدة وفي المحافل الدولية، وكان قد جعل من نفسه أداة بيد أمريكا لمحاربة الشيوعية والحركات الوطنية، ولكن امريكا لم تعطِ الحليف الصادق الأمين !!! حقه من الحماية لتثبيت عرشه وحكمه ضد الطامعين من أساتذة وتلامذة حوزات قم. انخلع التاج الملكي وهوى عن العرش، وارتفعت العمامة المذهبية وثبتت على العرش («الخلع والتثبيت»، إن في التاريخ محطة درامية تجمع بين الكلمتبن في نزاع درامي على السلطة). منذ الإطاحة بالشاه تعاقب على كرسي الرئاسة في أمريكا سبعة رؤساء خاضوا عشر دورات انتخابية، من السيد كارتر إلى السيد ترامپ.

وكل رئيس كان في جعبته السياسية-الإعلامية حزمة من التهديد العسكري، ولم ينفذ أي تهديد إلى اليوم، وحزمة فاعلة ومؤثرة من الضغوط التجارية والاقتصادية والتي أعطت بعضاً من التأثير الخانق على أصحاب القرار في إيران، والتي استطاعت إيران أن تجد لنفسها منافذ تخفف من وطأة الاختناق الاقتصادي عليها نسبياً، بينما كانت أمريكا تغض الطرف وتحجب النظر عن أنشطة تلك المنافذ، إن دس الرأس في التراب أمام أنشطة المنافذ، المناكفة لقرارات الضغوطات الاقتصادية، قد تكون رسالة مدسوسة بين أوراق قرارات الضغط إيعازاً لإيران بإمكانية التفاوض، وأن لا سبيل لهما سوى لقاء تفاهمي حول مائدة مستديرة لمناقشة الملفات العالقة ببنهما، ويبدو أن لهذه الملفات العالقة أهمية استراتيجية مشتركة تقتضي الشد والجذب، الوعد والوعيد، مع ضرورة المحافظة على خيط رفيع يمتد بينهما ليقف حائلاً دون المواجهة المباشرة حتى لا تحترق الملفات العالقة بينهما، وإلى اليوم فإن الطرفين لا يجدان مصلحة في حرق تلك الملفات، ما هي تلك الملفات؟ لا ندري، ولكنها ملفات شبه مصيرية تجمع بين «الأخوة الأعداء». هناك عدد من الحالات الساخنة والمحرجة التي تعطي الجانب الامريكي المبررات القانونية لضرب إيران بغية تغيير النظام، وأهم تلك الحالات وأكثرها قوة هو احتلال السفارة الأمريكية واعتقال عدد كبير من العاملين الامريكان في السفارة واتخاذهم رهائن عند السلطات الإيرانية، وهي حالة فريدة من نوعها في التاريخ الذي يمتد قروناً حتى الآن، وطبعاً إسقاط الطائرة دون طيار لا يمثل شيئاً أمام قضية احتلال السفارة. إن احتلال السفارة وأخذ العاملين فيها رهائن هو اعتداء صريح دون مبرر لسيادة دولة أخرى - ولا ندري لماذا أقدمت إيران على تلك الخطوة الأقرب إلى المغامرة الحمقاء - وأن القانون الدولي، بعد التأكد من أن السلطة الشرعية متورطة في هذا الاعتداء، يعطي، أمريكا، الحق الكامل لرد الصاع صاعين، ولكن أمريكا تغاضت عن حقها القانوني، بل إنها أوحت عملياً إلى العالم أجمع بأنها ليست في وارد تغيير النظام، هذا النظام الذي أطاح بحليف يعتمد عليه في السراء والضراء، والذي يحرض الشعب الايراني على الكراهية ضد امريكا بالشعار المدوي «مر بر آمريكا» أي «الموت لامريكا»، وهذا الشعار مبني على قاعدة أن أمريكا هي «الشيطان الأكبر».حتى نستوعب الأعاجيب بين البلدين اللدودين ونتمكن من هضمها لا بد من الرجوع إلى الوراء، في زمن الشاه وما بعد الشاه، مازالت الذاكرة حية لنسترجع من أرشيفها المؤامرة الامربكية، في خمسينيات القرن الماضي، ضد الحكومة الشرعية شبه الديمقراطية في إيران برئاسة محمد مصدق، وإرجاع إيران إلى حكم فردي استبدادي بتثبيت محمد رضا شاه بهلوي ملكاً على عرش إيران، وما كان لهذه المؤامرة، ضد الديمقراطية في إيران، أن تمر وتنجح لولا تعاون رجال الدين مع المخابرات الامريكية (سي آي إي)، فقد لعبت المؤسسة الدينية برموزها من آيات الله دوراً مكملاً وفعالاً في إنجاح المؤامرة الامريكية ضد الديمقراطية. ورجوعاً إلى الوراء أكثر، إلى أيام أبي الشاه، غلام رضا بهلوي، فقد أراد غلام رضا تأسيس دولة على النمط الذي اتخذه كمال أتاتررك، أي جمهورية ديمقراطية علمانية، إلاّ أن المؤسسة الدينية أغرت القائد الجديد، غلام رضا، بأن يصبح ملكاً على إيران، لأن الملكية هي الأجدى والأكثر قبولاً لدى الشعب الفارسي، وهذا إدعاء باطل ولكنه يخدم مصالح النفوذ والجاه والثروة لسدنة المؤسسة الدينية. هذه الأدوار للمؤسسة الدينية تكشف عن حقيقة أن هذه المؤسسة الدينية معادية للديمقراطية وطبعاً للعلمانية. هناك هاجس مشترك بين هذه المؤسسة الدينية وامريكا، فكلاهما لا يرون مصلحة لهما في دولة وطنية ديمقراطية قد ترتقى إلى العلمانية السائدة في أوروبا، امريكا متيقنة والمؤسسة الدينية متأكدة بأن أي تغيير للنظام في إيران لا سبيل له سوى نظام ديمقراطي مستقل وطنياً، وهذا ما لا يرضي الطرفين اللدودين.

لهذا فإن الوقائع على الأرض تشير بوضوح إلى وجود تفاهمات بين الطرفين ترتقي إلى مستويات التنسيق والتعاون في ملفات حساسة، وهذه التفاهمات تكشفت بوضوح في أفغانستان، عند غزو أفغانستان والإطاحة بحكومة طالبان، وفي العراق بعد الغزو الامريكي والإطاحة بحكومة صدام، وفي بحر العرب في مواجهة عمليات القرصنة، وحتى على الساحة السورية، حيث يختلط الحابل بالنابل في تداخلات معقدة بين الصديق والعدو. 

إذاً فإن الذي بين امريكا وإيران هي تفاهمات مبنية على مفاهيم مشتركة، ومصالح متقاطعة - ولكن أهداف شبه متباعدة - وهذه التفاهمات مصابة بزكام التناقضات، والعلاج يتأرجح بين مطالب إيرانية على الساحة الإقليمية، وتحفظ وتخوف أمريكي من مدى تأثير هذه المطالب وقوة نفوذها وسعة مصالحها أمام الاستراتيجية الامريكية في المنطقة.. 

ففي ظل هذه التفاهمات المزكومة بالتناقضات، فهل ستتغلب التفاهمات على التناقضات فتنفتح أمامهما أبواب الصلح والتعاون والسلام، أم أن التناقضات ستمحي التفاهمات ويتفجر بعدها بركان الحرب وتحترق معها ملفات التفاهم بالكامل ؟... لا أحد يدري !!! ولكن إذا اندلعت الحرب فليس باستطاعة أحد التكهن كيف وإلى أي مدى ستتساقط أحجار الدومينو، وقد يكون النظام الإيراني هو الحجرة الاولى !!!...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها