النسخة الورقية
العدد 11091 الأربعاء 21 أغسطس 2019 الموافق 20 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:49AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:09PM
  • العشاء
    7:39PM

كتاب الايام

إيران.. ودبلوماسية «التقية»

رابط مختصر
العدد 11055 الثلاثاء 16 يوليو 2019 الموافق 13 ذو القعدة 1440

أعتقد ان الإيرانيين أذكياء الى حد كبير في «دبلوماسية المراوغة» والنفس الطويل او ما يمكن تسميته (بالتقية) في المذهب الشيعي. فالمراوغة في أبسط تعريف لها هي التغطية بالكلام أو الممارسة على النيات المطلوب الوصول اليها سواء كانت طيبة او غير طيبة، لأن الهدف في نهاية المراوغة هو تحقيق المصلحة المستهدفة.

وتقوم السياسة الإيرانية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 على المراوغة السياسية أو التقية في عصر الفوضى في جوارها الخليجي والعربي، حيث لا مكان للمصارحة في أجواء الفراغ السياسي نظرًا لغياب واستحالة التسويات والحلول السياسية للأزمات وليس هناك من حل سوى المراوغة لتغطية العجز عن الحل او تأجيله او عرقلته، وذلك باللعب على مجموعة من العوامل الحساسة في الإقليم، وعلى وجه الخصوص حجم التوغل الايراني وامتداد نفوذها في عدد من البلاد العربية، ما وضع في يدها عددًا من الأوراق السياسية والاقتصادية والدينية الهامة لتحقيق مصالحها في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.

ولعل من أهم أسباب نجاح سياسة المراوغة الإيرانية في الخليج العربي والبلاد العربية، سياسة عدم المبالاة العربية وعدم اتخاذ الإجراءات السياسية او الدبلوماسية اللازمة في حينها لوقف التمدد الايراني من الدول العربية المؤثرة كالسعودية ومصر والمغرب ودول مجلس التعاون كمنظومة واحدة، ما أدى الى فرض إرادتها وتدخلها في الشؤون العربية بشكل فاضح وبدون مراعاة او احترام للقوانين والأعراف الدولية وحسن الجوار حتى أصبحت بعض الدول العربية تسير في فلك النفوذ الايراني لدرجة صدور عدد من التصريحات العلنية الإيرانية كالذي أدلى به مندوب مدينة طهران في البرلمان الإيراني علي رضا زاكاني (المقرب من المرشد الإيراني علي خامنئي) بأن العاصمة اليمنية صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التابعة لإيران بعد كل من بيروت ودمشق وبغداد، مبيناً أن ثورة الحوثيين في اليمن هي امتداد للثورة الخمينية.

وقال زاكاني إن «ثلاث عواصم عربية أصبحت اليوم بيد إيران، وتابعة للثورة الإيرانية الإسلامية»، مشيرا إلى أن صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التي في طريقها للالتحاق بالثورة الإيرانية.

هذه السيطرة وهذا النفوذ والتبجح الايراني العلني في العلاقات العربية الإيرانية يعكس - كما أرى - ثلاث قضايا في غاية الأهمية:

أولها: يعتمد على النفوذ والسيطرة والتدخل في الشؤون الداخلية المباشر ووقف أية عملية داخلية لإدارة الدولة بالتوجيه المباشر للتعيينات السياسية خاصة القيادية وعلى رأس الحكم، كما هو الحال في العراق الذي أصبحت فيه كل مفاصل الدولة السيادية والسياسة والاقتصادية والدينية والاجتماعية في يدها وتتلاعب بها القيادة الإيرانية على كافة الأصعدة والمستويات. 

أما الثانية: فهو التوجيه غير المباشر الذي يعتمد على الوكلاء الذين تم شراؤهم على حسابات دينية طائفية بحتة او اتفاق على المبادئ والدعوات الدينية المنسجمة مع الفكر الشيعي، وذلك عن طريق ضخ الملايين من الدولارات لهذه الأحزاب او المجموعات لتحقيق أهداف الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتحكم بالدولة والتدخل في شؤونها الداخلية وفي الانتخابات العامة، كما هو الحال مع حماس وقياداتها في غزة وتعيين القيادات السياسية العليا في لبنان كرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب والوزراء وغيرهم.

والقضية الثالثة: هو دعم الميليشيات والجماعات الإرهابية باستغلال شعارات المظلومية وحقوق الانسان الدولية لتحقيق الهدف المهم، وهو تصدير الثورة ومبادئ الخميني المنصوص عليها في الدستور الايراني التي تدعي بأنها الطريق الصحيح نحو السلام في العالم، مما يعني بأنها البديل لمبادئ الامم المتحدة التي قامت عليها هيئة الامم المتحدة المكونة من 193 دولة التي تتخذ منها الدول الأعضاء مرجعية قانونية وسياسية وأمنية لحماية أمنها واستقلالها وسيادتها الوطنية.

وفي هذا السياق، فقد عملت ايران على تكثيف سياسة المراوغة للاخلال بالأمن والسلم في الدول الخليجية والعربية، فقامت بدعم العمليات الإرهابية في السعودية والكويت والبحرين واستغلت الحج لدعم سياسة المراوغة في دول العالم الإسلامي لتنفيذ أهدافها وأطماعها في تدويل الإشراف على إدارة الحج، وبالتالي الهيمنة عليه وتوجيهه بالطريقة التي تتفق وتطلعاتها الدينية في شؤون الحج. كما وجدت في الربيع العربي فرصة ذهبية أخرى لدعم الإرهابيين المعارضين في البحرين وعملت على تدريبهم وتزويدهم بالأسلحة وشن الحملات الاعلامية المناهضة للحكم في البحرين، واستغلت طاقمها الدبلوماسي في المنامة لتنفيذ خططها وأهدافها المدمرة. 

أما اليمن فهو قصة أخرى من قصص الصراع العربي الفارسي الذي استغلت فيه ايران مجموعة من الحوثيين الشيعة الذين لا يتجاوزون 8% من الشعب اليمني لتحقيق أهدافها التوسعية في الجزيرة العربية للوصول الى مكة المكرمة وتهديد أمن السعودية واستقرارها باللعب على المتناقضات القبلية اليمنية، فعملت على إفشال المبادرة الخليجية وكل ما تم التوصل اليه من حلول سياسية؛ من أجل قيام نظام تعددي يلبي رغبات الشعب اليمني وتطلعاته في قيام دولة المؤسسات والقانون.

نستنتج من كل ذلك ومن خلال المداولات التي كنت شاهدًا عليها في اجتماعات وزراء خارجية دول مجلس التعاون اتباع ايران سياسة المراوغة أيضا باللعب على التباينات بين دول مجلس التعاون في كيفية التعامل مع ايران لدرجة كان لدى دول المجلس قرارات معلنة مع ايران تقوم على الحد الأدني من الاتفاق وقرارات سرية غير معلنة ليس عليها اتفاق تام فيما بينهم، كما اتبعت أحياناً أخرى نهج الاستعلاء والتشدد تجاه الدول العربية مما أدى الى نشوب مواجهة قوية بينها وبين السعودية خاصة في منطقة الخليج العربي، وأدت برامج التسليح الإيرانية الضخمة واتجاهها نحو الحصول على السلاح النووي إلى لجوء دول مجلس التعاون لتحالفات جديدة مدفوعة الثمن مع الولايات المتحدة والحصول على أسلحة متقدمة بمليارات الدولارات بشكل أحدث بعض التغييرات المهمة في التوازن العسكري في المنطقة لصالح دول مجلس التعاون خاصّة في مجال القوة الجوية. أيضا أدى المخطط الإيراني في البرنامج النووي الى مخاوف أثارت الشكوك حول طبيعة أهدافه وإلى إثارة قلق دول مجلس التعاون ومن ثم دفعها إلى تبني برامج نووية. وعلى الرّغم من الطابع السلمي لهذه البرامج فإنّها يمكن أن تتحول إلى برامج عسكرية خاصّة لدى السعودية، إذا امتلكت إيران السلاح النووي في أيّ وقت.

إن أوضاعنا العربية والخليجية بشكل خاص ليست بخير إطلاقًا في ضوء ما نراه ونستمع اليه من تصريحات الرئيس دونالد ترامب الحليف التاريخي الاول لدول مجلس التعاون الذي لعب هو الآخر على المتناقضات الخليجية التي سببتها الازمة القطرية (يونيه 2017 ) وأقربها لنا اجتماعه الأخير بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في واشنطن، واستطاع بهذه الصفقات المالية الضخمة وغيرها من الصفقات مع السعودية والكويت والإمارات أن يحقق مصالح بلاده ومصالحه الخاصة بضمان ولاية ثانية في البيت الأبيض في انتخابات عام 2020 بعد أن تمكن من الحصول على هذه المليارات من دول المجلس التي ضختها في الاقتصاد الامريكي مما ساعد على القضاء على البطالة لأول مرة في الولايات المتحدة.

وإن غدًا لناظره قريب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها