النسخة الورقية
العدد 11119 الأربعاء 18 سبتمبر 2019 الموافق 19 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    3:00PM
  • المغرب
    5:40PM
  • العشاء
    7:10PM

كتاب الايام

وهكذا يعيش العرب «بين حانا ومانا ضاعت لحانا»

رابط مختصر
العدد 11052 السبت 13 يوليو 2019 الموافق 10 ذو القعدة 1440

خلال الشهر الماضي، وبناء على رغبة القراء وحبهم في التغيير من السياسة الى مقالات تدخل البهجة والمعلومة الى نفوسهم ومزاجهم، وتغييره من حالة السياسة الى الاستراحة، كتبت عدة مقالات غير سياسية إلا أن مجريات الأحداث السياسية تفرض نفسها أحيانا، إذ تابعنا خلال الفترة الماضية أحداثا جساما مرت على عالمنا العربي وتمر عليه كل يوم، بدءا من سلطنة عمان بمضيق هرمز، وما قامت به إيران حسب ما ورد من تأكيدات بضرب ناقلات تحمل النفط السعودي. ثم يخرج علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستفزازاته المتكررة حيث لم نر منه سوى جعجعة كبرى وصوتا مدويا ولكننا لا نرى طحنا. ووسط هذه الغيوم، تطل علينا هذه المرة الدويلة قطر التي تواصل محاولاتها البائسة الى تفتيت الوحدة الخليجية بتعنتها ورسم سياسة مغايرة لتوجهات دول المنطقة وما شاهدناه مؤخرا ببث سموم وادعاءات ضد مملكة البحرين، ما اضطر المنامة الى إصدار بيان من مجلسي الشورى والنواب يؤكد رفضهما لهذه الانتهاكات. تساءلنا من قبل وسنظل نتساءل: الى متى ستبقى دويلة قطر مصدرا لبث سمومها وإدعاءاتها من قبل من يسير حكومتها من الإخوان أو من قبل أعداء الأمة العربية قاطبة؟ والى متى ستظل الدوحة رهينة لعقل وتوجهات غيرها؟ وتحملنا الأحداث الى ما يجري في العراق وانتهاك واحتلال سفارة مملكة البحرين بمساندة قوى إيرانية، الى أحداث سوريا القديمة الحديثة التي يبدو أنها لن تصل الى حلول في القريب العاجل.

 واستمرارا لحالنا المائل، ننتقل الى المغرب العربي الذي يشهد توترا بتونسه وجزائره وليبيا، ولكن قبلهما نعرج على السودان قليلا، ونحمد الله أن توصل المجلس العسكري وقوى التغيير والعدالة الى اتفاق أخيرا بتقاسم السلطة خلال فترة انتقالية، لتنتهي فترة شكوك طويلة بين الطرفين وليعود الاستقرار الى السودان على الأقل في الوقت الراهن بعد أن تملكنا اليقين بأن هذا البلد الشقيق ذاهب الى ما لا تحمد عقباه. ونتمنى أن يلتزم الطرفان – قوى الشعب والجيش – بما تعهدا به والخروج بالسودان من عنق الزجاجة ليبدأ مرحلة جديدة من العيش بسلام وآمان افتقدها على مدى الثلاثين عاما الماضية.

 ونبدأ بليبيا وتدخل الأتراك هناك، وما صدر من الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر ضد الانتهاكات التركية للأراضي الليبية، فتركيا لن تستكين أو تهدأ إلا بتنفيذ مقررات «الأخوان المسلمين» بالتوغل في عالمنا العربي، وتعد ليبيا حاليا أبلغ نموذج على الغرور والصلف التركيين، فلا أحد ينكر حق الشعب الليبي في التوجه الى مجلس الأمن الدولي والتوجه بمذكرة شديدة اللهجة ضد التوغل العسكري التركي في أراضيهم. المثير في الأمر أن النظام التركي تمادى في غيه ورأيناه يهدد بالانتقام من الجيش الليبي عقابا على إسقاطه طائرة عسكرية تركية بدون طيار، وزعم جاويش أوغلو وزير خارجية تركيا أن حفتر يعادي بلاده؛ لأن أنقرة تدعم الطرف المحق في الصراع الدائر في ليبيا. ونصل لقمة التعنت التركي عندما يحذر أوغلو الجيش الليبي من مغبة اختطاف مواطنين أتراك مرة أخرى! أما وزير الدفاع التركي خلوصي آكار فيحذر هو الأخر بأن أنقرة ستنتقم من أي هجوم واقع على مصالحها من جانب قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وأن الثمن سيكون باهظا للغاية ضد أي عمل عدائي من طرف الجيش الليبي «سننتقم بأكثر الطرق فعالية وقوة». ويواصل المسؤولون الأتراك كلامهم الممل زاعمين أن جهود تركيا في ليبيا تسعى إلى المساهمة في السلام والاستقرار في المنطقة.

 المثير للدهشة أن الجانب التركي لم يستح فعلا مطبقا المثل العربي «إن لم تستح فافعل ما شئت»، وبحسبة سياسية بسيطة نقول إن لتركيا مصالح اقتصادية جمة تجعلها تتورط في الحرب الأهلية الدائرة في ليبيا إذ تعتبر مسألة نجاحها هناك حرب حياة أو موت لها، فهي تحافظ على مصالحها الاقتصادية التي اكتسبتها منذ عهد العقيد معمر القذافي حينما تمتعت الشركات التركية بأفضلية خلال فترة حكمه ولكن مع اشتعال الحرب الأهلية تراجعت المكاسب بعد أن خسرت ليبيا أهميتها الاقتصادية.. ولكن كل هذا لا يجعلنا ننسي أن ليبيا وتركيا بلدان متوسطان، وأن أنقرة بدأت مؤخرا عمليات تنقيب ضخمة عن الغاز والنفط في المنطقة الشرقية من البحر المتوسط. وبالجانب الاقتصادي، لا تزال تركيا تقف بجوار «الأخوان المسلمين» أينما كانوا، وهم قطعا ينتشرون في ليبيا وينالون دعما تركيا كبيرا إذ تقدم لهم أسلحة بمخالفة لقرار مجلس الأمن، وهو ما جعل الليبيين يتقدمون بشكوى رسمية لمجلس الأمن ضد التصرفات التركية التي تقدم أسلحة مختلفة للميليشيات المتحاربة هناك.

 وطبيعي أن يقود الدعم التركي المالي واللوجستي والتسليحي لبعض الأطراف الى إطالة أمد الحرب الأهلية والإخلال بتوازن القوى بين الأطراف المتنازعة في ليبيا، فلولا هذا الوجود التركي لما استمرت الميليشيات المسلحة حتى الآن، ولكان في استطاعة الجيش بقيادة خليفة حفتر بسط سيطرته في فترة وجيزة. ولكن تركيا تريد استمرار ليبيا مقسمة بين أكثر من قوة على الأرض حتى تستميل القوة الأكثر هيمنة وتأخذ منها كل ما تستطيع من نفط ومكتسبات اقتصادية، وبالتالي فإن استمرار الدعم التركي لحكومة طرابلس سيزيد من حالة الاحتقان بين العاصمة وبقية الولايات.

 ولا زلنا في منطقة المغرب العربي وتحملنا الأحداث الى تونس الخضراء والأزمة الصحية التي ألمّت بالرئيس قائد السبسي وأحداث الشغب الأخيرة، إلا أن الشعب التونسي الواعي بمجريات الأمور وما تفعله الغربان في بلادهم استطاع بحكمته السيطرة على هذه الأحداث، وكلنا يعلم حالة التسيب التي أعقبت نبأ مرض الرئيس التونسي ونقله للمستشفى إثر تعرضه لوعكة، زاعمين وقوع تونس في حالة فراغ دستوري. وقد استغل دعاة الفتنة - وهم ينتشرون في كل بلد عربي بالمناسبة - مسألة تأجيل انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية التي تقرر شغور منصب رئيس الجمهورية والزعم بأن هذا سيقود البلاد الي كارثة، في حين تناسي هؤلاء أن «الهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين» قد حلت محل المحكمة الدستورية. كما أن الدستور التونسي ينظم عملية تبادل السلطة حال فراغ منصب الرئيس، إذ يحل محله رئيس البرلمان، كما يمكن تكليف رئيس الحكومة كذلك بمهام رئيس الدولة في حالتين.

 ومن تونس الى الجزائر التي رفض شعبها سياسة حكامها السابقين وتولي رموز السلطة القديمة القيادة، لتستمر النتيجة «صفرا» حتى وقتنا الراهن، إذ تستمر الأزمة مفتوحة وكذلك حالة الحراك المستمر بين قوى الشعب من جهة والجيش من جهة أخرى، رغم أن القوتين اشتركتا معا ونجحا في إزاحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وإرغامه على الانسحاب من السباق الرئاسي، ولهذا نقول إن الحالة ضبابية حتى الآن والجهل بالمستقبل هو سيد الموقف، فالنتائج السياسية لا تزال بعيدة المنال مع رغبة الشعب في التخلص من كل الوجوه القديمة خاصة أن الجيش هو الجهة الأقوى؛ ولذا فهو من يدير اللعبة ولكن يكتب للطرفين -الشعب والجيش- رغبتهما الصادقة في التطلع الى مستقبل من خلال فتح صفحة جديدة، ولهذا دخل الجيش في معركة صعبة وصفها الجزائريون بأنها «معركة تكسير العظام بين أجهزة المخابرات».

 ونتمنى أن تنجح مبادرة الرئيس الجزائري المؤقت عبد القادر بن صالح للخروج من مأزق الفراغ الدستوري الحالي الذي تعيش فيه الجزائر، من خلال حوار تقوده شخصيات وطنية مستقلة تحظى بالشرعية وبمشاركة المؤسسة العسكرية. ويكمن التحدي في عدم التوافق التام بين كل أطياف قوى المعارضة على بلورة مطالب شعبية موحدة ومتطابقة، تلتقي بها مع السلطة على طاولة الحوار للخروج بحل يرضى كافة الأطراف الجزائرية.

 أحداث جسام تمر على الأمة العربية التي اعتقد أنها لم تمر بكل هذه المجريات خلال فترة واحدة، والسبب هو فرقتنا وعدم جديتنا في اتخاذ القرار، مؤتمرات وقمم تعقد هنا وهناك ويتم التأكيد فيها على الوحدة العربية ولكننا كشعوب نتساءل: أين هذه الوحدة ولماذا هذا التشرذم الذي يكاد يقسمنا الى كانتونات كثيرة ويسهل من بعدها احتلالنا، رغم كلمة احتلال -هذه - قديمة لأننا محتلون من قبل السياسات الأمريكية والأوروبية وغيرهما. فالعرب يعيشون حالة من الابتزاز، فسبق أن ابتزهم سياسيا المدعو باراك أوباما وزعم أنه يناصر قضايا العرب في حين سلم رقابهم الى إيران، وها نحن نرى ابتزازا من نوع آخر، ابتزاز تجاري من رجل لا يعرف قيمة سوى للمادة، رئيس يبتز العرب بالترهيب والتخويف، فيبتزهم ماليا واقتصاديا من خلال ترويعهم بإيران، هذا هو الابتزاز بعينه، فهل قدر لنا نحن العرب أن نعيش هكذا، كل من يأتي على عرش الولايات المتحدة يبتزنا؟ هل لأنها هي الدولة العظمى، فقد جاء بوش الأب والابن وقبلهما كثيرون من الرؤساء وبعدهما، كل هؤلاء الرؤساء أتوا الى الحكم وابتزوا العرب ابتزازا كبيرا.. لا أعرف هل نحن لا زلنا مغيبين؟ أم أصبحنا كالمثل الشعبي «بين حانا ومانا ضاعت لحانا».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها