النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

هل للضجة ما يبررها؟!!

رابط مختصر
العدد 11049 الأربعاء 10 يوليو 2019 الموافق 7 ذو القعدة 1440

  كثر الحديث عن الأكياس البلاستيكية، واقتنع الناس بالرأي القائل إن أكياس القماش هي البديل الأكثر مناسبة ومواءمة لصحة الإنسان من الأكياس البلاستيكية، وهي صديقة للاقتصاد الأخضر الذي تسعى إلى بلوغه دول العالم في محاربتها التلوث البيئي بكل أشكاله. هذا قول يؤكده كل المعنيين بسلامة البيئة وصحتها، ولكن هل هذا القول حقًا فعل منطقي، وعملي وقابل للتطبيق عند التبضع لاقتناء مستلزمات شهر كامل، أي شراء «ماجلة» البيت؟ أسأل هذا السؤال وعيني شاخصة على آخر الشهر عندما تزحف العوائل البحرينية إلى شراء احتياجاتها من المواد الاستهلاكية. فكم، يا تُرى، من الأكياس القماشية يتطلب منا اصطحابها معنا إلى السوبر ماركت عندذاك؟ هذا ما يتردد كثيرًا في فضاء النقاشات التي أثيرت حول وقف استخدام الأكياس البلاستيكية. وغدا السؤال الذي يُتداول «هل التحول من الأكياس البلاستيكية إلى أكياس القماش له علاقة بالتحول في ثقافة الشراء لدى المواطن البحريني؟ ما يعني هل الضجة المثارة في هذا الخصوص لها ما يبررها؟.

  إن المجتمع بأفراده وجماعاته ومؤسساته، بلا شك، هو المسؤول عن سلامة البيئة وصحتها، وأي أخطار محتملة تلحق بالبيئة هو أيضا، أي المجتمع، أول من يتأثر بها في صحته ومعاشه وأكله وتوازنه البيولوجي والنفسي، وكلما ارتقى وعي الناس وسلكوا سلوكا متجاوبا مع نتائج الدراسات والبحوث، ومع الأفكار التي يطرحها المهتمون بشؤون البيئة، حصدت البيئة منافع تنعكس بالضرورة إيجابا على صحة الإنسان. وإننا لو تأملنا كم المخلفات والنفايات الناتجة عن الاستهلاك الآدمي لأدركنا الجهود والأموال التي تبذل للتخلص من هذه المخلفات. ومن المخلفات التي يصعب التخلص منها وتشكل عبئا على صحة البيئة وبالتالي على صحة الإنسان، المنتجات البلاستيكية بكل أشكالها. وقد خصها الرئيس التنفيذي للمجلس الأعلى للبيئة الدكتور محمد بن دينه بخطوات عملية عبر خطة زمنية تهدف إلى وقف استخدامها بدءًا من 21 من الشهر الجاري.

الخطة الزمنية لم يطلع عليها المواطنون، وهي، أولاً وأخيراً خطة إجرائية معني بتنفيذها المجلس نفسه، إنما هي كما قال الرئيس التنفيذي معدة وجاهزة وتنتظر التطبيق، لكن الذي يعني المواطنين من هذه الخطة هي الخطوات العملية التي سيتم اتخاذها بحيث لا يتضرر المواطنون والمقيمون نتيجة هذا الوقف الذي يبدو أنه كان صادما للبعض لا بسبب الوقف وإنما وقت الوقف هذا.. الضروري بكل تأكيد.

 بخصوص وقف الاستخدام الذي تحدد بتاريخ 21 يوليو نطرح هذا التساؤل، ونبحث عن إجابة عنه لدى المعنيين بتنفيذ الخطة، والسؤال هو: أليس مثل هذا الوقف يحتاج إلى التدرج في التنفيذ، بعد القيام بحملة توعوية لتهيئة الجمهور وتقبل القرار؟ ثم إن التدرج هذا، إذا ما اتفقنا عليه آليةً للتنفيذ وصولا إلى الوقف الكلي لاستخدام المنتوجات البلاستيكية، ومنها الأكياس، يقتضي البدء بالمحلات التجارية الصغيرة والبقالات والمطاعم. فمثل هذه المحلات تستخدم المنتجات البلاستيكية بشراهة، وباسراف شديد. وإن انتقالها لاستخدام البدائل الأخرى القابلة للتحلل أقل تعقيدا من محلات بيع المواد الاستهلاكية الكبيرة، أو وقف استخدام أكياس النفايات المنزلية التي لا يوجد تصور حتى الآن للبديل عن الأكياس السوداء التي يدفع الناس ثمنها مقدمًا إلى البلدية في فواتير الكهرباء الشهرية.

   هناك حقيقة أخيرة لا ينبغي أن تغيب عن بالنا وهي أن الأكياس التي نستخدمها الآن والتي تعطى في محلات البيع ليست مجانية وإنما هي مثلها مثل أكياس القمامة السوداء، محسوبة ضمن المصروفات الرأسمالية وثمن كلفة ما نشتريه من بضائع. وهذا ما يعني بشيء من الاستتباع المنطقي ضرورة التركيز الآن على التفكير في من يدفع ثمن البدائل الأخرى. ما أريد أن أقوله إن على اللجنة العليا للبيئة التنبه إلى ذلك والوقوف إلى جانب المستهلكين في هذا الخصوص، وفرض توفير البدائل على المحلات التجارية من دون أن يمس ذلك من جيوب المستهلكين ومقدراتهم الشرائية.

   حظر الأكياس البلاستيكية قرار حكيم وانعكاساته البيئية الإيجابية لا يمكن لأحد أن يجعلها موضوع جدل وقضية رأي تختلف في شأنها المواقف، فالعلم كان حاسمًا في هذا الباب وأثبت أن عددا من الانقلابات المناخية والبيئية التي نشهدها أيامنا هذه ناجمة عن ثقافة الاستهلاك التي فرضها علينا إيقاع العصر وجعلتنا نلجأ إلى أيسر الحلول لضمان حد من الرفاه تناسينا معه عادات في الاستهلاك قديمة كانت لنا ولأجدادنا، ولم يكن فيها أدنى خطر على البيئة. إن دخولنا القوي ضمن دائرة مجتمعات الاستهلاك وثقافة الاستهلاك قد جعلنا نفكر في ذواتنا في أنانية أعمت أحيانًا بصائرنا عن تحكيم المنطق السليم في أعمالنا، فدخلنا في سباق الوفرة دخولاً من بين عناوينه أكياس بلاستيكية لا تحصى وتعد نبتاع فيها ما نحتاج وما لا نحتاج أحيانا، ولا مآل لتلك الأكياس إلا القمامة وأرصفة الشوارع وأديم سماء بحريننا الجميلة وأغصان الأشجار ومياه البحر، وتلك الطامة الكبرى لأن لهذه الأكياس ضرراً مباشراً بالثروة السمكية وتوازن البيئة البحرية. 

   الوعي البيئي، في اعتقادي، عنوان بارز من عناوين المواطنة في القرن الواحد والعشرين، وعلامة من علامات نضج المجتمع ورقيه، وهذا الوعي لن يبلغ بالقرارات السياسية فحسب، وإنما بسلوك المواطن سلوكاً صديقاً للبيئة يتحول بمرور الأيام إلى مكون أصيل من مكونات ثقافة المواطن وشخصيته، فلنمنع عن أنفسنا بائس الجدل في موضوعات لا تحتمل النقاش، ولنفكر جميعا في ترجمة حرصنا على المستقبل الأجمل بالتركيز في المحافظة على البيئة، فالبحرين جميلة وتحب كل جميل يحفظها من كل سوء وإن كان كيساً بلاستيكياً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها