النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

«جريمة شرف»: الجريمة شر لا شرف

رابط مختصر
العدد 11048 الثلاثاء 9 يوليو 2019 الموافق 6 ذو القعدة 1440

يقولون إن في الدنيا هناك سبع عجائب، وهذه العجائب السبع ترتكز على الأرض وهي من صنع الإنسان، وهي منتشرة على رقع القارات التي يعيش عليها الإنسان ويستعيش من ثرواتها. وقد تكون هناك مظاهر على الأرض ترقى إلى قائمة العجائب، ولكن، ولا أدري لماذا، فقد استقر النظر في الرصد والحكم على سبع عجائب فقط. 

ولكن هناك أعجوبة صادمة مروعة لها علاقة بالنفس البشرية لم تجد لها مكاناً في عرف ومفهوم وقائمة العجائب. وهذه الأعجوبة، وهي مؤسفة مؤلمة وخطيرة قاتلة ودنيئة مذلة، تخرج من نفس جاهلة مدفوعة إلى الشر بتأثير إرث عفن تشكلت منه عقيدية مظلمة تعمي البصيرة وتشل العقل وتبلد المشاعر وتطلق العنان لأيادي الجهلة المسيرين لتتلطخ بدماء الأبرياء، وتخرج هذه الأعجوبة كالسهم المسموم وتصيب نفساً بريئة في مقتل، والضحية دائماً، ولضرورات الإرث والتقليد حسب الإدعاء، أنثى، أنثى من أهل البيت، من أقرب الأقرباء، ودائماً أنثى، ابنة أو أخت او ابنة عم أو ابنة خال أو حتى أم وحتى ابنة الجيران. إذا كانت العجائب المعروفة ركيزتها الأرض، فإن هذه الأعجوبة الغائبة المهملة ترتكز في النفس وتنطلق من النفس وتصيب النفس، وهي أعجوبة قاتلة تجول وتصول وتلهو وتعبث وتفرض نفسها فرض الإيمان باليقين دون رادع، لا ردع عائلي ولا اجتماعي ولا قضائي ولا رادع أخلاقي، كأنها الحق المبين ذات قدسية تحرم الشك فيها ومحصنة بالمطلق ضد الإدانة، وإذا كانت العجائب السبع جامدة في مواقعها، فإن أعجوبة النفس أعجوبة حية، تتنفس وتتنقل وتفعل، وفعلها في دائرة العجب هو القتل دون مبرر ولا عذر ولا حكم قضائي ولا قتال في ساحة الوغى!!! إنها الأعجوبة الزئبقية الوحيدة التي تتشكل من تزويج كلمتين متناقضتين، إنها الأعجوبة الشريرة القاتلة «جريمة شرف»، رغم أن كل الجرائم شر من شر وإلى شر. 

إن هذه الأعجوبة النادرة تجمع بذهنية ملزمة بين النجاسة والطهارة، وتجعل من النقيضين وحدة متماسكة لا انفصام لها. إن دعاة «جريمة شرف» - يا للعار - يرون في الجريمة، أي القتل بالتخطيط مع سبق الإصرار والرصد والانقضاض وإزهاق روح بريئة، صون للشرف، وتكتمل الرؤية الإجرامية، عند هؤلاء الدعاة، بأن الدم المراق هو صون للشرف، والشرف بكامل شريفيته مختزل في الأنثى. الأنثى، كانت من كانت في دائرة أهل البيت والعائلة حتى الزوجة والأم، تخضع لمجموعة من القواعد السلوكية الصارمة التي تقتل حريتها وتكممها وتهين كرامتها وتكبل نشاطها وتحصرها في أضيق حيز مكاني وزماني، وأي خروج على أية قاعدة من تلك القواعد، مهما كان طفيفاً وحتى غير مقصود، يعد انتهاكاً لقواعد السلوك الأنثوي يقتضي القتل حقاً للقاتل الذكر واستحقاقاً من نشاز الأنثى. 

والداعي او الدافع إلى تنفيذ حكم القتل (جريمة شرف!!!) ليس بالضرورة نتيجة انتهاك لقواعد السلوك الأنثوي او ازورار عنها، بل قد يكون هناك دافع الانتقام والابتزاز بتفعيل أدوات الكذب ضد فتاة بريئة لمجرد أنها رفضت فلاناً عندما تقدم يطلب يدها، أو رفضاً لابتزاز او تغرير يراد النيل منها. إذاً فأعجوبة «جريمة شرف» يمكن استثمارها من أجل دفع فتاة بريئة إلى طريق اللاشرف (الدعارة والاتجار بالبشر) عن طريق الابتزاز والتهديد بتلويث السمعة، وهذه المسكينة ستكون عرضة للقتل في كلتا الحالتين. 

الغريب في أمر «جريمة شرف» أنه منتشر في تلك المجتمعات العربية التي من المفترض منها أن تكون منارة الثقافة والتنوير وتمهيد الطريق إلى عالم الحضارة، وهي حقاً تتمتع بتاريخ مجيد من الماضي، وتتمتع بميزة التفاعل والتعاطي مع ألوان من الثقافات الأخرى.

هناك مجموعة من الغرائب، شبه الأسرار، تحيط بشرعنة «جريمة شرف»، وعلى رأس هذه الغرائب أن الحكومات المعنية عاجزة وشبه صامتة، وهي كالنعام تدس رأسها في التراب، وبموازاة الحكومات تنهج المؤسسات الدينية، مثل الأزهر وغيرها، نفس النهج، رغم أن فتوى دينية واحدة كفيلة بأن تحد من هذه الجريمة المشرعنة بنزوات الجهل. عندما يكون الجهل مصدر التشريع، وسيفاً مسلطاً على رقاب الناس، فإن البراءة تكون هي الضحية الأولى بين بقية الضحايا، والنجاسة تصبح طهارة، والشر يعلو شرفاً على الخير، والنفاق يصبح سيد الاخلاق، والجريمة تكون السبيل إلى الشرف الرفيع... فإلى متى ستسود شرعة الجهل بقانون (عرف) «جريمة شرف»؟!!!...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها