النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

قصتنا مع العــــــراق

رابط مختصر
العدد 11048 الثلاثاء 9 يوليو 2019 الموافق 6 ذو القعدة 1440

كثيرة هي الجوانب الجامعة بين الشعبين العراقي والبحريني التي لا يمكن اختزالها في سطورٍ قليلة، فعمق الترابط بين البلدين سطّره التاريخ، فكانت الحضارات القديمة شاهدة على العلاقات والروابط المتينة التي جمعت الشعبين على مر العصور.

إلا أن ما تعرَّض له العراق من انقلابات وتغييرات في أنظمته الحاكمة خلال العصر الحديث، ووقوعه في شَرَك حزب البعث العربي الاشتراكي ثم الأحزاب الدينية الإسلامية الشيعية المتطرفة وما انضوى تحتها من ميليشيات مسلَّحة تدور في فلك نظام الولي الفقيه الإيراني، وما نتج عن ذلك من تهديدات خطيرة على أمن واستقرار منطقة الخليج العربي عموماً وعلى مملكة البحرين على وجه الخصوص، عرَّض العلاقات البحرينية العراقية إلى هزَّات كادت أن تهدم كل الثوابت التي قامت عليها العلاقات التاريخية بين البلدين رغم المحاولات المتعددة للقيادتين لرأب الصدع ومعالجة الأخطاء المتكررة بالمجاملات السياسية والحلول المؤقتة.

ويمكن إيجاز ما اعترضت هذه العلاقات منذ استقلال البحرين في سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم في الآتي:

أولاً: مرَّت البحرين بالعديد من المتاعب السياسية نتيجة لاحتضان «حزب البعث العربي الاشتراكي» لبعض الطلبة البحرينيين الدارسين في الجامعات العراقية، الذين وجدوا في مبادئ حزب البعث حلولاً ثورية لتعديل أو تصحيح النظام في البحرين، خاصةً أن المنطقة العربية كانت تعيش آنذاك موجات الثورات والمَدّ الشيوعي والناصري الكاسح، وكانت لها جميعاً أدوار مؤثرة في أيدولوجيات وفكر هؤلاء الطلبة وغيرهم من الطلبة العرب.

ثانياً: أجرت البحرين اتصالات عديدة مع القيادة العراقية لإيجاد حل للطلبة المنجرفين وراء التيار البعثي الاشتراكي، فقام صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس مجلس الوزراء وسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وزير الخارجية آنذاك بعدّة زيارات إلى بغداد لبحث الموضوع.

ثالثاً: عملت البحرين منذ استقلاها على سياسة التصالح مع مواطنيها في الخارج، ففتحت أبوابها لعودتهم جميعاً من أجل المشاركة في بناء الوطن بعد انسحاب بريطانيا من شرق السويس عام (1968م) وتخلّيها عن قواعدها في المنطقة ومنها البحرين، وقد استجاب العديد من هذه الشخصيات لهذه الدعوة الوطنية، فتمّ تعيين عدد منهم سفراء للبحرين في الخارج، ومنهم من أنشأ مشاريع وصحفاً يومية وأسبوعية، ومنهم من عمل في وزارات ودوائر الدولة الحديثة، ومنهم من تمّ تعيينه في مناصب عُليا فأصبح منهم الوزراء ووكلاء الوزارات.

رابعاً: تقلَّصت البعثات التعليمية للجامعات العراقية، وشابَ العلاقات نوع من الهدوء في عهد الرئيس السابق صدام حسين، إلا أنها تدهورت تدريجياً بعد تولّي «حزب الدعوة الإسلامية» الذي يتزعمه نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية من عام (2006م وحتى 2014م)، والذي شارك «حزب البعث» في الإيقاع بالعراق في براثن الفساد والفقر والتخلّف وانعدام الأمن، ما كان له آثار سلبية وكارثية.

خامساً: احتضان الأراضي العراقية للجماعات الإرهابية المناوئة للحكم في البحرين، وتقديم كافة أشكال الدعم لهم، ابتداءً من تهيئة المعسكرات المخصَّصة لتدريبهم على استخدام الأسلحة والقنابل والإعداد لخطط المقاومة الشعبية داخل القرى، وليس انتهاءً بمشاركة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي - في (ديسمبر 2018م) - حفل تأسيس المكتب السياسي لما يسمّى بـ«ائتلاف شباب 14 فبراير في البحرين» في بغداد وإشادته بهذا التنظيم الإرهابي، وما يمثِّله ذلك من سابقة خطيرة في التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وعدم احترام قواعد السيادة الوطنية، فتمّ على إثره استدعاء سفير بغداد لدى المنامة.

سادساً: إدلاء زعماء الأحزاب العراقية - بإيعاز من إيران - بتصريحات تحريضية مستفزة ضد دول المنطقة بقصد الإثارة ووقف الخطوات الخليجية العراقية الهادفة لإبعاد (العراق) عن السيطرة الإيرانية، كتلك التصريحات المسيئة للبحرين التي أطلقها زعيم التيار الصدري العراقي مقتدى الصدر في (25 أبريل 2019م) وأساء فيها لقيادة البحرين وشعبها وللعلاقات البحرينية العراقية، ودافَعَت عنها وزارة الخارجية العراقية بشكل غريب رغم ما يشكِّله ذلك من خرق للمواثيق ومبادئ القانون الدولي.

سابعاً: قيام مجموعة عراقية تخريبية بالاعتداء على مبنى سفارة البحرين في بغداد يوم (27 يونيو 2019م)، والذي على إثره قرَّرت وزارة الخارجية استدعاء سفير مملكة البحرين لدى جمهورية العراق للتشاور، وتسليم القائم بأعمال سفارة جمهورية العراق في البحرين مذكرة احتجاج بهذا الشأن.

ورغم كل تلك التراكمات الحادة على مدى سنواتٍ طويلة والتدخلات الخطيرة التي سبّبتها السياسة العراقية، والتي كان لها تأثير واضح على أمن واستقرار مملكة البحرين وتحديداً في (فبراير 2011م) الذي شهدت البحرين خلاله أحداث أمنية مؤسفة، فقد استمرت سياسة البحرين الحذرة والمهادِنة بالتواصل مع الحكومة العراقية الرسمية التي لا حول لها ولا قوة أمام ضغط الميليشيات التابعة لإيران، والمتحكِّمة في كل مفاصل الدولة تحكّماً تامّاً لا فكاك منه إلا بتغيير نظام ولاية الفقيه في طهران، حيث قامت ركائز الموقف السياسي البحريني تجاه العراق على عدة اعتبارات، أهمها:

1. أن العراق دولة عربية شقيقة، وهو جار تاريخي يمثِّل عمقاً استراتيجياً وأمنياً لدول مجلس التعاون في حال نجا من الهيمنة الإيرانية الخبيثة واستقرت أوضاعه السياسية، وكان هذا هو السبب الرئيس في جعل مملكة البحرين أول دولة عربية تقوم بتعيين سفير مقيم لها في بغداد في (أغسطس 2008م) رغم الظروف الأمنية الخطيرة التي يعيشها العراق منذ الاحتلال الأمريكي في (مارس 2003م)، وسارت على نهجها عدد من الدول كالمملكة العربية السعودية ودولة الكويت.

2. أن للعراق دوراً رئيسياً في حفظ التوازن السياسي والعسكري والأمني في المنطقة أمام القوى الكبرى، منذ الحكم الإمبراطوري الشاهنشاهي حتى سقوطه عام (1979م) بنجاح الثورة الخمينية وقيام نظام ولاية الفقيه، وذلك باتباعه نهج سياسة الحذَر، خاصة بعد الانقلابات العسكرية التي شهدها تاريخه، وأدَّت إلى إنهاء الملكية عام (1958م)، وتولّي حزب البعث للحكم ومن ثم الأحزاب الدينية المتطرفة التابعة لإيران التي اعتبرتها القيادة الأمريكية الطريق نحو إقامة نظام ديمقراطي تعددي ونموذجاً للحكم الرشيد الذي ستهتدي به الأنظمة العربية في إطار ما يسمى بالربيع العربي.

لقد عملت البحرين على تهدئة التوترات التي عصفت بالعلاقات بين البلدين عبر الاتصالات المباشرة مع القيادة العراقية، في محاولات منها للتخفيف من آثار التصرفات غير المسؤولة للمليشيات المتطرفة التابعة لإيران، والتي أعدَّت مجموعات إرهابية مسلَّحة جاهزة بانتظار شارة الانطلاق في الوقت الذي تحّدده طهران، والذي ينعكس بالدرجة الأولى على زيادة أعمال العنف في الداخل البحريني!

إلا أن استمرار العراق في احتضان الإرهابيين، وتقديم الدعم السياسي والإعلامي لهم، وتهيئة الظروف المناسبة لاجتماعاتهم لرسم وإعداد الخطط التخريبية ضد البحرين، وتعامل السياسيين العراقيين مع البحرين من منظور طائفي بحت عكسته تصريحات بعض النواب ورجال الدين العراقيين، يعمِّق حدة توتر علاقة البحرين بالعراق، ويؤكِّد ارتباط قراره وتحركاته بإيران، ما يصعب معه نجاح أيّ جهود تبذلها البحرين لتهدئة الأوضاع، كافتتاح السفارة وتعيين سفير في بغداد، حيث سيظل الوضع ثابتا دون تقدم إيجابي، لتحوّل العراق إلى جسر لتصدير العنف والإرهاب والمؤامرات الإيرانية ضد البحرين و بقية دول مجلس التعاون.

لذلك؛ وفي سبيل الإبقاء على العلاقات في حالة وُد وصفاء لها آثارها الإيجابية على استقرار ونهوض العراق من جديد بعد الدمار الذي لحق به جرَّاء النخر الإيراني في مفاصله، لا بدّ للعراق من مراجعة مواقفه وسياساته كونها تعكس الأوامر والتوجيهات الصادرة إليه من طهران، خصوصاً بعد الانتخابات البرلمانية في (مايو 2010م) وفوز نوري المالكي رئيس حزب الدعوة الإسلامية المدعوم من إيران، حيث انتهى العراق إلى ما انتهى إليه من وضع معقَّد وطائفية فاضحة وصراعات وفساد في كل أجهزة ووزارات الدولة، وبات في أزمة حقيقية بسبب غياب العدالة الاجتماعية والسياسية وفشل المؤسسات الأمنية في حفظ الأمن وتوفير الخدمات، عدم قدرة الحكومة على احتكار توظيف القوة الشرعية لحفظ القانون بسبب عسكرة المجتمع وتصاعد دور الميليشيات. 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها