النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

حوار الوقت الضائع

من الشرعية الدولية إلى تطبيع الاحتلال

رابط مختصر
العدد 11047 الاثنين 8 يوليو 2019 الموافق 5 ذو القعدة 1440

قبل اتفاقيات كامب ديفيد كنا نتحدث عن اللاءات الثلاث: لا صلح، لا تفاوض ولا استسلام، وكان منطق الكفاح ورفض الهزيمة هو الذي يقود العالم العربي. وبعد ذلك صرنا نتحدث عن الشرعية الدولية، حتى قامت «إسرائيل» باحتلال أول عاصمة عربية في 1982 وضرب منظمة التحرير الفلسطينية.

وبعد إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي (أوسلو 1993م) الموقع بين «إسرائيل» ومنظمة التحرير الفلسطينية، أصبحنا نتحدث عن حل الدولتين، وبعد فشلها ونكوص الكيان الإسرائيلي عما تم الاتفاق عليه، جاءت المبادرة العربية للسلام التي أطلقت في قمة بيروت في العام 2002م، بهدف إنهاء الاحتلال وإنشاء دولة فلسطينية، معترف بها دولياً، على حدود 1967 وعودة اللاجئين والانسحاب من هضبة الجولان السورية المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع «إسرائيل». 

واليوم وبعد أن انطوت جميع تلك المبادرات والمرجعيات والشرعيات، بدأنا نستمع إلى منطق جديد، غير معهود، يتحدث عن إدامة الاحتلال وشرعنته، مقابل بعض الفوائد الاقتصادية المفترضة للفلسطينيين.

وفي ظل التآكل العربي والتراجع عن الثوابت والنكوص عن الاتفاقيات والالتزامات والإعلانات الجامعة، بتنا نتحدث عن مجرد (صفقة)، تقضي في النهاية بالقبول بالاحتلال وتأييده، وإنهاء القضية الفلسطينية، وطي صفحة شعار الأرض مقابل السلام، والقبول بالأمر الواقع.

وإذا كان هذا التحول البائس هو نتيجة مباشرة لوضعنا الاستراتيجي المتراجع في العالم، فإن المقلق هو انطلاق تلك الكتابات والتعليقات والكلمات البائسة لعدد غير قليل من دعاة التطبيع المجاني، الذين يتجنون على العرب (أي على أنفسهم) ويمتدحون (إسرائيل) وحكامها (هكذا!!)، مع سلسلة غريبة وغير معهودة ومستفزة، من الأفكار الخشبية التي وجدت في البيئة المحبطة السائدة في بلاد العرب ما يساعدها على البروز.

إن مثل هذا الكلام غير المسبوق لم يكن مفاجئا في صيغته الفجة، ولكن المفاجأة الحقيقية هي أن يكون منظرو التطبيع عندنا على هذه الدرجة من الضحالة في التفكير والتحليل والرؤية وانعدام الإحساس، وعلى هذه الدرجة من التفريط وانعدام الإرادة وفقد الأمل الذي يترجمونه يوميا بتلك الكتابات الهزيلة، بضرب جذور وأسس الثوابت الجامعة للعرب وحقوقهم المشروعة. ولعل هذه النقطة تحديدا هي محل السرور (رغم مأساوية المشهد)، لأنها تعطي الأمل في إمكانية، بل وحتمية زوال إنجازات هذا الطابور، من الذين ترهقهم الحقيقة، ويشكون في مواطن العزة فينا. هذه النقطة بالذات، وبالرغم من قبح الاستعارة فيها، تعطي الأمل في أن هنالك أجراسا للعزة ما تزال تطرق.

المشكلة -مع وضوح المشروع الإسرائيلي وأهدافه-تتمثل في هؤلاء الذي يقفزون على الساحة للدفاع عن هذا المشروع وتبريره، ومهاجمة الفلسطينيين وجميع العرب الملتزمين بالثوابت العربية ومنطق الشرعية الدولية وبمعادلة الأرض مقابل السلام، وكأنهم يرتكبون خطأ جسيماً برفضهم لمنطق الصفقات والتفريط.

هنا لا يوجد فكر يستحق أن يناقش، ولا حتى رأي يقارع. كل ما هنالك أن ورثة الدولة العربية المفلسة باتوا يعلنون إفلاسهم هذه المرة في المزاد العلني، من دون مقابل، ومن دون أي خجل، وهم يبشرون اليوم بالعصر الإسرائيلي الجديد، والذين بدأوا انجازاتهم الكبرى بشطب أسماء المناضلين ورموز الكفاح العربي، من كل المواقع والمواضع التي استولوا عليها، ويستخدمون معجم النظام الدولي الجديد بلكنة عربية. هؤلاء لا يحملون فكرًا وهم غير قادرين على اقناعنا بأفكارهم الخشبية، لأنهم لا يخفون التصريح علانية بالقرابة الدموية بينهم وبين نظام الهيمنة والظلم الذي تسيطر عليه الصهيونية العالمية.

إن هذا المشروع -الصفقة- الذي يجري الترويج له والاحتفاء به بشكل غريب وغير مسبوق، يقوم أساسًا على «وجوب إلغاءِ المرجعية القانونية للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، وإحلال مرجعية اقتصادية مصلحية محلها، لا يكون فيها موضع للحديث عن قرارات الشرعية الدولية». وفي ظل مثل هذا التحول الذي تتعرض له القضية الفلسطينية والتآكل غير المسبوق للمرجعية الدولية، تتكاثرُ الأعمالُ والمبادرات التي يتم الإعلان عنها صراحة، لوأد القضية الفلسطينية بشكل نهائي، استجابة للأطروحات الصهيونية لترسيخ الكيان الإسرائيلي باعتباره دولة يهودية توسعية، لا تعترف بالحدود الجغرافية، ولا تكترث لحدود الدول الأخرى المحيطة بها.

 

رسائل النزع الأخير

قال الراوي: 

لما بلغ (الرجل) عشرة الثلاثين، واتسعت أشواقه وكبر همه وزاره السؤال في اليوم عشرين مرة، فأرسل لحيته، وقلَّ كلامه وخفت بريقه وقل اشتهاؤه للحياة. وقد تمر به أيام ينقطع فيها للعبادة، فيقسو على نفسه ويجد في ذلك لذة الانقطاع عن العباد والعبادة. ولما طال به الأمر انكمش وتكور وخامرته فكرة الرحيل إلى الجهات الست، فأعلن:

- «لما وجدت نفسي هواء، وقلبي خواء، تركت صلاتي، وقطعت صلاتي، وبداً لي الجلوس إلى العامة خسة وتواضعا، فهجرت الناس ناشدا الرحلة! لقد بحثت عن الصلاة التي تفعل في النفس فعل السكرة، حتى هي كالنور يسرى في دمي، فلما لم أجد من ذلك إلا رجعاً بعيداً، عرفت أنني أغالب النفس فتغلبني. وأنني أكذب عليها، فتسخر مني. فيذهب عليّ وضوئي. وتصبح صلاتي كالحرث في البحر أو كالنفخ في الريح!! ولما ضاقت حياتي، وجدت في التناسخ ما به أحيا سرمدا، فأحيا وأموت وأحيا وأموت، فلا يكتمل وجودي، وكان يحلو لي أن أشرح الأمر لإخوتي. وأمي وأبي صامتين. فلما فنيت عصاتي وجربت الرحيل.. وضاق بي الزمن وانهد كياني، حزنت واشتقت إلى التوحد، ناديت يا رب: انسني بفنائك وافتح مغاليق سمائك واشملني برحمتك.. فإذا به معرض عنّي وأنا في حيرتي أبكي وأبكي وأنادي: يا الله!!». 

قال الراوي: كان الرجل يبكي في جنون أيامه الأخيرة، ويقول: ليت الله ينورني من نوره ما يجمع شتاتي، ويقيم حياتي قبل مماتي. 

رحمه الله، فإنه كان أعظم من الحياة، يحيا ويموت كل يوم وليلة.!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها