النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11200 الأحد 8 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

عشاق مي زيادة... وحيرتهم بين قلبها وغيرتها في قصص حب نادرة

رابط مختصر
العدد 11045 السبت 6 يوليو 2019 الموافق 3 ذو القعدة 1440

بعد حديث الروح الذي شدت به أم كلثوم والغناء العراقي الذي تحدثنا عنه ذي النكهة المتفردة من الطرب وقصة حب ميحانه الخالدة وحكايات الحزن والشجن في أغاني ما بين النهرين وطربهم الشجي، نعرج اليوم الى قصة حب الزمن الحديث أو قصة الأديبة مي زيادة، بنت الناصرة شمالي فلسطين التي تركتها طفلة متوجهة وأسرتها الى لبنان حتى صارت شابة جميلة لتكون القاهرة مقرها الأخير ومنها عرفها المثقفون والنخبة وعاشوا في صالونها الأدبي الذي كان يعقد الثلاثاء من كل أسبوع، ومن هؤلاء المثققين من أحبها وكتب فيها شعراً وغزلاً وأرسل لها ما يكنه قلبه لها ليتلقي هو الآخر ردها الذي يحتفظ به التاريخ كتراثٍ ثقافيٍ وأدبيٍ في علم رسائل الغرام.. وإذا كان هناك من أحبها وذاب فيها عشقاً حياة وقولا، فالبعض لم يجرؤ حتى بمصارحتها خوفاً من أن يكون مصيره عدم التأنس برؤيتها في صالونها الأدبي، وفوق كل هذا فأديبتنا ذات المقام الكبير لم تكن مجرد شاعرة ومثقفة وأديبة ولكن أيقونة متحركة من الجمال حتى إن همسات دارت هنا وهناك عمن كان يهيم بها عشقاً بخياله.. بيد أنها آثرت أن تقضي حياتها حباً عذرياً مع الجميع، وأن يروها نجمة في السماء عالية وليس جسداً ينبض بغير الحب.

 كثيرون أحبوا وعشقوا مي زيادة ولكن جميع المقربين منها قالوا إنها لم تحب سوى الغائب البعيد عنها آلاف الأميال، فهي في القاهرة وهو في نيويورك، عاشت مي كمن تناجي نفسها قائلة «قلبي ينفطر هنا وهو يحيا هنا»، حب تفصله المسافات الشاسعة وعدم اللقاء، حب جمع بينهما عبر لغة رقيقة عبر قلبيهما عنها برسائل ظلت متبادلة بينهما نحو عشرين عاماً حتى مات جبران قبل مي بسنوات، فجبران خليل جبران كان الحبيب والخليل والعاشق لكن بدون رؤية فعاشت معه بخيالها، وإن جاء بعده بمسافة طويلة محمود عباس العقاد الذي بث حبه لمي وبادلته الرسائل، رغم أن المقربين منها استبعدوا هذا الحب ووصفوه بحالة نفسية لا ترقى للحب وإنما صداقة قوية.

 وبجانب حب مي وجبران، جمع بينهما كتاب واحد «بين المد والجزر» من تأليف الحبيبة ورسومات الحبيب، وكان حبهما نموذجاً من التفاهم بينهما وامتداداً للحب العذري الذي جمع الأولين من العرب أمثال قيس وليلى وجميل وبثينه وغيرهم، ووصفت مي حبها لجبران بـ«الحب السماوي» فهي اعتبرت هذا الحب أمراً سماوياً لا يجوز رفضه أو العزوف عنه برغم عدم اللقاء أبداً. وكانت رسائلهما لا تنقصها الشرح والتفسير، فهي ليست قصائد وأشعارا تتطلب معاني كلمات، فهي سهلة كالحب نفسه ولذيذة كطعمه ورقيقة كعذوبته. ولم تكن رسائل مي وجبران سوى مواثيق حب نقي لم يحدث مثله بين بشر. فحب مي وجبران ليس سوى حلم انتظر صاحبه أن يتحقق ليكون حياة حقيقية، فالحلم طيف يطوف بخيال صاحبه ولكنه لا يستطيع الإمساك به، ولكن مي وجبران عاشا الحلم وتجولا به وغازلا قلبيهما بسحر العيون، فالحلم تسلل واستقر وعاش في القلب وامتلك الروح فكان الوجد والهوى والوجدان. فكتبت مي الى روحها الكائنة بأمريكا أجمل الرسائل وأعذبها وأشجنها عاطفة، ومنها رسالتها في 15 يناير 1924:

 جبران! لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب، إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب، ينمّي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية رهيبة، قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم، لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر. ويفضّلون تضليل قلوبهم عن ودائعها، والتلهي بما لا علاقه له بالعاطفة. يفضلون أي غربه، وأي شقاء (وهل من شقاء وغربة في غير وحدة القلب؟) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة.. ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به! ولكني أعرف إنك «محبوبي»، وإني أخاف الحب، أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير. الجفاف والقحط واللا شيء بالحب خير من النزر اليسير، كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا؟ وكيف أفرّط فيه؟ لا أدري. الحمدلله أني أكتبه على ورق ولا أتلفّظ به، لأنك لو كنت حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى. حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحياناً، لأني بها حرة كل هذه الحرية. قل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى. فإني أثق بك، وأصدق بالبداهة كل ما تقول! وسواء كنت مخطئة فإن قلبي يسير إليك، وخير ما يفعل هو أن يظل حائماً حواليك، يحرسك ويحنو عليك.. غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال الأشكال والألوان، حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة، أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟ ربما وُجد فيها من هي مثلي، لها جبران واحد، تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النور يتبع الظلام، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل أن ترى الذي تحبه. فتتسرب إليها كل وحشة الشفق، وكل وحشة الليل، فتلقي القلم جانباً لتحتمي من الوحشة في اسم واحد: جبران!

  لعل هذه الرسالة هي من أكثر رسائل مي لجبران تعبيراً عن حبها وحيائها، فهي جمعت المرأة الجريئة التي لم تخف حبها ولكنها في نفس الوقت لا تستطيع البوح به سوى على الورق وليس وجهاً لوجه، فحياء المرأة الشرقية لم يبارح شخصية مي رغم تحررها بخلاف تقاليد الزمن الذي عاشت فيه، إذ أن زمانها وعصرها ووقتها فرضوا عليها الحياء.

  ثم يأتي رد جبران خليل جبران الى مي من نيويورك في 26 فبراير 1924: أحب الثلج وأحب النار، وهما من مصدر واحد، ولكن لم يكن حبي لهما قط سوى شكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع. ما ألطف من قال: «يا مي عيدك يوم.. وأنت عيد الزمان». انظري يا محبوبتي العذبة إلى قدس أقداس الحياة، عندما بلغت هذه الكلمة «رفيقة» ارتعش قلبي في صدري، فقمت ومشيت ذهاباً في هذه الغرفة كمن يبحث عن رفيقة. ما أغرب ما تفعله بنا كلمة واحدة في بعض الأحايين! وما أشبه تلك الكلمة الواحدة برنين جرس الكنيسة عند الغروب! إنها تحول الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت، ومن العمل إلى الصلاة..تقولين لي إنك تخافين الحب.. لماذا تخفين يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مد البحر؟ أتخافين مجيء الربيع؟ لماذا يا ترى تخافين الحب؟.. أنا أعلم أن القليل من الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كلَ شيء. نحن نريد الكمال. أقول يا ماري إن في الإرادة الحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلاً من أظلال الله، فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله.. لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة. اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن من الرغائب، ولقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت. وأنا اليوم مقيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة، فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج إلى نور النهار وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرين طليقين نحو قمة جبالنا؟. ويختتم جبران رسالته: والآن قربي جبهتك. قربي جبهتك الحلوة – والله يباركك ويحرسك يا رفيقة قلبي الحبيبة.

 تقول الروايات إن مي زيادة عاشت محبة فقط لجبران وتوفيت وحبها يسكن قلبها إذ ارتبطت به روحياً، فكان حبها حباً فريداً وصفوه بأنه «حب صوفي» تخطى حدود الزمان والمكان والحواس الى عالم من الهوى والوجد، فمي عشقت جبران بكل حواسها وقلبها وغارت عليه من بنات أمريكا. وهي التي قالت في إحدى رسائلها: جبران (خليل جبران).. سحرني بلغته وسحره المدوخين، كان يريدني قريبة منه بينما هو في جزء مني لكني رفضت أن أكون مجرد رقم في حديقة نسائه.. لو قادني القدر نحو ذراعي جبران كنت طحنته بغيرتي وافترقنا بسرعة بشكل بائس وحزين وحقد لا يُمحى. نعم أنا سيدة الأقدار الحارقة، ورجل نشأ في الحرية ومات فيها لا يمكنه أن يدرك حرائقي مهما تواضع معي، كان سندي وصديقي وأخي الذي لم تلده أمي وحبيبي الآخر وموته دمرني.

 ويقودنا كلام مي الى روايات البعض أيضا عن عاشقيها من أدباء مصر الذين أحبوها وذابوا فيها عشقاً، ومنهم من باح ومنهم من أثر السلامة في إخفاء حبه وغرامه، ومن الذين باحوا بحبهم محمود عباس العقاد، فرسائله لمي تؤكد أن الحب جمع بينهما وعصف بقلبيهما، كما أشارت كتاباته وقتها الى عبارات الشوق والحنان والحب والأمل. فالعقاد أول من حظي بفرصة الخروج مع مي، فقد دعاها للسينما فقبلت دعوته بعد قبول شرطها بالذهاب الى سينما الكنيسة، وكانت هذه أول مرة تخرج فيها مي بصحبة صديق لها وتقضي معه وقتا في السينما. ونال العقاد من مي زيادة ما لم ينله غيره، فهي عرفت بشح قبلاتها لمن أحبوها، ولكن العقاد نال قبلة على جبينها، أو قبلة على جبينه. يعترف العقاد نفسه بأن مي زيادة لم تحب جانب السياسة والعنف في شخصيته، فهي أحبت العقاد الأديب، الكاتب، الشاعر، ولم تكن تحب العقاد السياسي، وحاولت أن تقنعه بترك الكتابة في السياسة خشية عواقب عنف حملاته على الحكومة وخصومه وأن يجره هذا للسجن وكثيرا ما رجته في أسلوب رحيم رقيق وأن يخفف من غلوائه، وألا يهاجم خصومي، حتى لا يلقوا به في السجن، وتتعرض حياته للخطر.

 ولعل التناقض الكبير بين العقاد وجبران هو السبب في تفضيل مي للأخير رغم بعاده عن الذي يعيش بقربها في مصر، فمي زيادة شخصية مسالمة، رقيقة، لطيفة مثل جبران الرومانسي، هادئ الطباع جبران الذي خلب لبها بأفكاره المتحررة التي صقلتها بيئة المهجر. بعكس شخصية العقاد العنيفة الثائرة مما أعاق علاقتهما، بهذا بخلاف رغبة مي في أن تحيط نفسها بالمعجبين والعشاق، ليحوموا حولها كالكواكب حول الشمس، فمي زيادة لم تكن في عجلة من أمرها للارتباط الأبدي برجل واحد قد يقيدها أو يخيب ظنها، وسط كل هؤلاء العشاق، وكان هذا سببا في اعتراف نادر لها بتعمدها إثارة غيرة من حولها بثقافتها وأدبها ورقتها، وكان العقاد من بين المتأثرين بهذا وأثرت في نفس العقاد أيضا ولم تخدم علاقته بها. ولم تكن مي تجهل أن العقاد يحترق غيرة عليها، ولطالما استمتعت بذلك مثلما أكدت له في إحدى رسائلها وهي في المانيا 30 أغسطس 1925: «لا تحسب أنني اتهمك بالغيرة من جبران، فإنه في نيويورك لم يرني، ولعله لن يراني، كما أني لم أره إلا في تلك الصور التي تنشرها الصحف». وتتواصل الرسالة: «ولكن طبيعة الأنثى يلذ لها أن يتغاير فيها الرجال وتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها! أليس كذلك؟! معذرة، فقد أردت أن أحتفي بهذه الغيرة، لا لأضايقك، ولكن لأزداد شعورا بأن لي مكانة في نفسك، أهنئ بها نفسي، وأمتع بها وجداني…».

 ولكن في النهاية، وجد العقاد المحافظ - المتعصب لأفكاره - نفسه أمام امرأة متحررة، مستقلة بأفكارها، فهي دائما محاطة بمجموعة من كبار الأدباء والمفكرين، حاضرة معهم بجسدها، غائبة عنهم بقلبها الذي تعلق بجبران المتحرر الذي يعيش بعيداً مع نسائه في آخر الدنيا. ولكنه – أي العقاد – لم يستسلم لحب مي لجبران فما كان منه إلا أن شغلها برسائله مثل تلك التي أرسلها لها من مصيف راس البر علي البحر المتوسط، وبث فيها أشواقه وتغزله في قديسته كاتبا:

  يا نجمة اليم ونور الأوان – أشرقت، فليشرق علينا الآمان

أنت الهدى يا (مى) فى لحظة – البحر فيها والدجى حاكمان!

لو لم تكونى ملكا حارسا – يحوطنا فى كيد هذا الزمان

ما سار فينا - يوم فارقتنا – شيطانه الباغى طليق العنان

فاليوم إذ أقبلت لا خوف من – كيد الشياطين وأنت الضمان

 وفي رسالة غير تقليدية، اعترف العقاد بحبه لميريم – معني كلمة مي أي نجمة البحر – قال فيها:

 يا مي يا مي ذاك اسم أو نمهتغنى حلاوته عن كل تلقيب

كجوهر في يد اللآل قد نفستبه أنامله عن كل تركيب

وفي يديك الرضا إن كنت آذنة لي باسمك العذب، أو لومى وتثريبي!

وإن لي رغبة يا مي ضارعة فلا تضني بها يا خير مرغوب

وأنت معبودتي يا مي ما ظفرت عيني بتمثال حسن منك مرقوب

تمضي الأسابيع بالساعات أحسبها ولا ثلاثاء إلا بعد تغبيب

إذا ارتوى القلب من ذكرى يعل بها فالعين في عالم كالقفر مجدوب

فليت لي منك طيفا إن لي حلماً رحب الجوانب موشى الأعاجيب

إذا أطل على الأحلام حل بها كصورة القدس حلت في المحاريب

إني كعهدك طماع فلي أمل مغرى بأجمل وهاب وموهوب

 حقاً، اعترف العقاد بحبه لمي «وأنت معبودتي يا مي»، كما وضعها في منزلة القدس المقدسة، ليذوب في عشق محبوبته في لحظة صدق إنسانية، وترد هي عليه بكثرة عشاقها لإثارة غضبه وغيرته، وهذه هي طبيعة المرأة تثير في الآخر شعوراً بالغيرة حتي لو من شخص وهمي فما كان بالنا من شخصية حقيقية في وزن جبران خليل جبران.

 حقاً، تميزت مي زيادة بجمالها وسعة أفقها وسعة ثقافتها، أحبها من حولها واختارت هي من تحب، قبلت بأن تكون نجمة في السماء عالية ترتفع إليها أبصار محبيها وعاشقيها، ولكنها رفضت منطق الشراكة في من يحبها، أما هي أو لا، فهي لا تقبل الشريكة، فالشراكة في الحب تعتبرها جريمة.. ولكنها تقبل بنفس المنطق – أي الشراكة – في من يحبها وهم كثر، فهذا يرضي غرورها «ولكن طبيعة الأنثي يلذ لها أن يتغاير فيها الرجال لتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها، 

هذه هي مي وهكذا كان الحب لديها».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا