النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

ظواهر تستحق الإشادة في المجتمع البحريني (1)

رابط مختصر
العدد 11045 السبت 6 يوليو 2019 الموافق 3 ذو القعدة 1440

أعتقد اعتقادا راسخا، أن المجتمع البحريني يتميز بصفات لها خصوصيتها ونكهتها. كما يتميز بحيوية تكاد أن تكون ذات صلة بالتاريخ القديم، لكن ما هي دلائل حيوية مجتمعنا، كما أراها، وقد يراها غيري؟ 

في أعوام الثمانينات من القرن الماضي، زارنا أستاذ محاضر في جامعة القاهرة، ممن أدركتهم مهنة الأدب، وأدرت معه حديثا صحافيا لصفحة الثقافة في أخبار الخليج، التي كنت أشرف عليها آنذاك، ما أذكره تماما من ذلك اللقاء الصحفي بعد سنوات طويلة، هي جملة وردت منه، ووصلت سريعا الي، ولم تخمدها السنوات؛ قال لي إنني أستنشق هنا في بلادكم رائحة الحضارة والمدنية، قلت له وأنا أبتسم لهذا الإطراء، إن هذه البلاد هي امتداد لحضارة عمرها أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة سنة، فلا غرابة فيما تقول. 

وكان لي بعد ذلك أن أحدثه عن حضارة دلمون، حين كانت بلادنا تتوسط الحضارات العالمية البارزة في ذلك الوقت؛ كانت البحرين آنذاك تتلاقح وتأخذ عصارة هذه الحضارات المحيطة، وتتفاعل معها، وفي تواريخ لاحقة كانت البحرين تتصدر ثلاث مجالات اقتصادية مهمة هي التجارة بسبب موقعها الجغرافي، واستخراج اللؤلؤ بسبب مصائد اللؤلؤ في مياهها، والزراعة فقد حبى الله بلادنا بالينابيع التي تتفجر في اليابسة والماء، وفي البر والبحر بالإضافة إلى الأرض الخصبة. 

وما كان لهذا التطور العريق أن يصيب بلادنا، لولا العنصر البشري الذي عاش في هذه البلاد على مدار التاريخ.

 في القرن العشرين، أخذت الثقافة في بلادنا حيزها المتعدد في فترة مبكرة، في الربع الأول من القرن الماضي. ولاحظنا نحن جيل ستينات ذلك القرن، كيف تفاعل المجتمع البحريني بسرعة قياسية مع الحداثة الفكرية والثقافية الجديدة في الوطن العربي والعالم، ليس فقط على المستوى الثقافي والأدبي، لكن أيضا على المستوى الاجتماعي، فهذا المجتمع ظل وسيظل متفاعلا بشكل كبير مع التحديث والتغييرالذي يظهر في العالم بين آونة وأخرى، عبر مراحل التاريخ القديم والجديد. 

تتجلى حيوية هذا المجتمع أيضا على مستوى الثقافة السياسية، كون السياسة جزءا من الطيف الواسع للمعرفة، فأنت تجد ارتباطا وثيقا بين السياسة والفكر وبين السياسة والثقافة، لكل هذه الأسباب لم يكن غريبا أن تظهر مؤسسات المجتمع المدني في بلادنا في وقت مبكر من القرن الماضي مقارنة بالإقليم والبلدان العربية: الجمعيات السياسية، النقابات، المؤسسات الثقافية: الأدب والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى والغناء. 

ولو ألقينا نظرة سريعة على الحراك السياسي والثقافي والرياضي في البحرين في الوقت الراهن، سنكتشف هذه الحيوية والخصوبة. وهناك مثال آخر يتمثل في شغف أهل البحرين بالعلم، ودعوني أسرد لكم هنا حكاية صغيرة فيها دلالات كبيرة حدثت معي. أيام الشباب النضر، قبل عقود ماضية، كنت أزور أحد الفنادق في ليالي الإجازة، عندما فوجئت بالمدعو عبدالله الموظف البحريني البسيط الذي يعمل في وزارة، وهو يرتدي بدلة العمل في الفندق، فسألته ماذا تفعل هنا هل غيرت وظيفتك؟ فقال لي: عندي ولد وبنت يدرسون في جامعة القاهرة ولا بد من تغطية مصاريفهم. ارتفعت قامة عبدالله في نظري، عندما سمعته يتلو هذه الإجابة ووجهه منهك من العمل الإضافي، لكن عبدالله الذي كنت ألتقيه في ندوات أسرة الأدباء والكتاب في سبعينات القرن الماضي، هو ليس الوحيد الذي يحمل هذه الخصال التي تبجل العلم وتقدره وتعرف أهميته، حدثت هذه الحكاية، قبل إنشاء جامعة البحرين، عندما كانت الأسر البحرينية ترسل أولادها الى جامعات القاهرة وبغداد ودمشق، رغم تواضع إمكاناتها المادية؛ حكاية عبد الله، مع حكايات مشابهة أخرى سمعتها أو عشتها رسخت اعتقادي بحيوية هذا المجتمع وديناميكيته وطموحه وكدح أهله المتواصل.

 اهتمام أهل البحرين بالعلم هي سمة من سمات المجتمعات المتحضرة. وتبين لي هذا الاهتمام في ظاهرة أخرى أيضا؛ عندما تحسنت الأوضاع الاقتصادية ومداخيل الأفراد بعد السبعينات من القرن الماضي، وبدأت المدارس الخاصة تظهر إلى الوجود، وتنتشر، كانت أسر كثيرة من الطبقة المتوسطة ومحدودة الدخل تدفع أولادها للحصول على تعليم أفضل في هذه المدارس رغم تكاليفها المبالغ فيها، ثم راحت هذه المدارس تتوسع وتتناسل وتكثر بسبب الإقبال الشديد عليها. 

لم يكن كفاح الأسر البحرينية من أجل العلم، إلا صورة أخرى، للكفاح من أجل لقمة العيش؛ فعندما اشتد الغلاء، وتعسرت الأحوال الاقتصادية، جاء دور المرأة البحرينية التي قد تفوق زوجها في أحيان كثيرة في حماية الأسرة وتحسين معيشتها، حيث شمّرت عن ساعدها وخرجت للعمل مع زوجها، وبشكل واسع لتغطي النفقات، فكانت تعمل في جبهتين: البيت والوظيفة. المرأة البحرينية في حد ذاتها هي دليل آخر لحيوية هذا المجتمع، وقد لا حظنا جميعا، كيف أقبلت المرأة البحرينية للمشاركة بكثافة في الانتخابات النيابية الأخيرة ناخبة ومنتخبة. وهناك دلائل كثيرة على تميز المرأة البحرينية نعرفها جميعا. وكنت أتابع وأرصد هذه الظواهر والصفات، متابعة شخص فرضت عليه مهنته متابعة التفاصيل الصغيرة في الحياة التي قد تكون هي الأكثر أهمية، لأنها تبني الحياة في مجملها. وما ذكرته ليس إلا غيض من فيض، وقليل من كثير، من الصفات التي أُعجبت بها في هذا المجتمع المتوثب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها