النسخة الورقية
العدد 11091 الأربعاء 21 أغسطس 2019 الموافق 20 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:49AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:09PM
  • العشاء
    7:39PM

كتاب الايام

حكاية آلة الجرنكو الوترية!

رابط مختصر
العدد 11043 الخميس 4 يوليو 2019 الموافق غرة ذو القعدة 1440

نحاول في هذه المقالة الابتعاد عن حرارة السياسة التي تبدو قاتلة مع حرارة الطقس، فكان لابد من صياغة موضوعات رطبة باردة على القلب، موضوعات السفر الممتعة التي يستحم في بحيرتها طابور كبير من البشر، ففي جغرافية وطوبوغرافية الأمكنة المتنوعة هناك اسرار الجمال الكوني التي تبهر العيون وهي تحدق في ذلك الامتداد البصري الواسع للفضاء والنهر والغيوم ولقمم الجبال وتساقط الشلالات والثلوج في عز الشتاء، وأنت راحل في هذا الكون مع حقيبتك المعلقة على كتفك، حيث لا تملك غيرها في تقلبات الامكنة وبهو الفنادق القديمة الصغيرة التي تأوى العاطلين والمفلسين، الذين ينتظرون حوالة من بلدهم البعيد بعد أن نفذت جيوبهم، وصار صاحب النزل شرطيًا عند بوابة فندقه. وجوه راقصة واخرى كئيبة وأضواء شاحبة وامكنة تذكرك بشواهد القبور، وأخرى تنقلك لفردوس السماء الحالم. لم أكن من أولئك المسافرين ولا أشبه مسافرًا مفلسًا ضاعت منه محفظته.

كنت اتنقل بين فنادق مختلفة ونجوم مختلفة، المهم ان اكتشف عوالم تلك الاسرار الخفية في رحلة مغامرة، قد تكلفك حياتك، لو اكتشف الآخرون حجم المبلغ الذي في جيبك، ولكن حينما تكون هيئتك متواضعة وملامحك مثل السكان فقد يساعدك ذلك على النفاذ من سلالة الحرامية والنصابين في قارات وبلدان تبث صحفها وتلفازها كل يوم قصص وأخبار الجرائم المرعبة.

وكلما خطونا في العمر نحو تجاعيد الشيخوخة فقدنا شجاعة الشباب ومغامراته، فقدنا تلك الروح المجنونة المشاكسة. حكاية اليوم في هذه المقالة تعود لشهر اغسطس عام 1981، عندما طرت من فلوريدا الى مدينة لاباز البوليفية ابحث فيها عن قلب مدفون بين أحجارها، لم اجد حلمي فرحلت برًّا الى مدينة كوسكو التاريخية في بيرو وهي مجاورة للحدود ووصلتها عبر بحيرة اتاتاكا الشهيرة.

 كوسكو عاصمة حضارة الانكا التاريخية ومدينة الذهب، حكاياتها عجائبية فلن تجد في تلك القرى الصغيرة إلا غرفا خاوية بلا فراش يؤجرها البؤساء الهنود للسياح، المهم تقضي ليلتك وترحل مع ضوء الصبح. لم تكن حاجياتي وعدة سفري لحظتها إلا تلك الحقيبة التي اعلقها على كتفي وفي يدي آلة الجرنكو الوترية التي اشتريتها من مدينة كوسكو هدية الى صديقي عازف القيثارة فلعلها تكون هدية مميزة.

واشعر أن هذه الآلة التي لم تعرفها محلات بيع الآلات الموسيقية حتى تلك الفترة حتى يومنا هذا، بل واجازف حين أقول بأنني كنت أول بحريني يدخل تلك الآلة للبحرين، فربما من يوثق حكايات ماضي الآلات الموسيقية، سيجد هذه القصة مسجلة بين يديه، «كحقوق ملكية !!». آلة الجرنكو (آلة موسيقية وترية يتم صنعها من حيوان اسمه المدرع armadillo (إرماديو) وهو حيوان ثدي يوجد في امريكا اللاتينية، ومن فصيلة الدرداوات ولرأسه وجسمه درع من الصفائح العظمية الصغيرة، ويستطيع أن ينكمش فيه كالقنفذ، بحيث يصبح على شكل كرة محتميا بذاته من الهجمات الخارجية. ومن تلك الصفائح تصنع تلك الآلة الموسيقية، وهي لا توجد إلا في بيرو وبوليفيا على الاغلب، كواحدة من اهم الآلات الوترية الشعبية مع آلة القيثارة، التي جاءت مع المستعمر الاسباني مثلما جاءت الخيول العربية. مع الوقت صارت تصنع آلة الجرنكو من الخشب لندرة ذلك الحيوان.

تلك المسافة الطويلة من جبال الانديز في بوليفيا حتى سواحل المنامة، كانت جديرة تلك الآلة أن تنبت وتبقى وتموت وتفنى في جزيرة اللؤلؤ. وقد بقي من ذاكرتي ومعي شيء آخر حملته من هناك من جسد كوسكو وتاريخها هو آلة الجرنكو،«charango» الوترية التي غزت جزيرتنا الصغيرة قبل أي مخزن يبيع الادوات الموسيقية. سهل أن تكون منسيا عندما يتم تأريخ دخول الآلات الموسيقية في البحرين؟ أنها وحدها الجرنكو والصفحات التاريخية للانسان معنية بالاجابة عن ذاتها،حتى وإن كانت نغمات آلة الجرنكو الحادة جميلة وراقصة مع ايقاعات الدف والعود بين العوضية والحورة.

نحن بحاجة لمتحف الآلات الموسيقية طالما الثقافة السياحية نبضنا الجديد المتوهج.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها