النسخة الورقية
العدد 11091 الأربعاء 21 أغسطس 2019 الموافق 20 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:49AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:09PM
  • العشاء
    7:39PM

كتاب الايام

أمن الخليج = الناتو الخليجي

رابط مختصر
العدد 11041 الثلاثاء 2 يوليو 2019 الموافق 29 شوال 1440

مرَّ أكثر من عامين على تفجَّر الأزمة القطرية واختلال أوضاع منطقة الخليج العربي وسيرها في طريقٍ ضبابيٍّ مجهول، انعقدت خلال تلك الفترة قمتين خليجيتين في الكويت والرياض، لم ترَ قراراتهما والنور رغم الجهود التي يبذلها معالي الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني الأمين العام لمجلس التعاون ومحاولاته الحثيثة لإعادة قافلة المجلس إلى طريقها الصحيح باستمرار العمل في أجهزة الأمانة العامة وسط حالة الجمود التي انعكست تأثيراتها على تنفيذ الكثير من المشاريع الخليجية المشتركة ذات الطبيعة التكاملية، ولم تلقَ الجهود الجبَّارة للأمين العام إلا تجاوباً ضئيلاً جداً رغم استعداد دولة الكويت لاستضافة جميع الاجتماعات والقمم الخليجية لأسباب معروفة.

إلا أنَّه من المتوقع أن تُعقد القمة الخليجية القادمة في (ديسمبر 2019م) في العاصمة الرياض وذلك بعد أن اعتذرت سلطنة عُمان عن عدم استضافة القمة الخليجية الأخيرة بسبب الظروف الصحية لجلالة السلطان قابوس وتخلَّت عن حقها في تعيين الأمين العام لمجلس التعاون بعد انتهاء الفترة القانونية لولاية الأمين العام الحالي، والذي لو تولَّته لتمَّ استكمال تولّي الدول الستّ لمنصب الأمين العام كما تم الاتفاق عليه بين الدول الأعضاء بعد أزمة الانسحاب القطري من قمة مسقط عام 1995.

وتجدر الإشارة هنا إلى الخلاف الذي نشب بين المملكة العربية السعودية ودولة قطر في قمة مسقط (ديسمبر 1995م) وإجماع الدول الأعضاء على مرشح السعودية (جميل إبراهيم الحجيلان) ليشغل منصب الأمين العام للمجلس، مما دفع دولة قطر إلى الانسحاب من الجلسة الختامية للقمة، وتولّى مرشحها (عبدالرحمن بن حمد العطية) المنصب بعد انتهاء ولاية الحجيلان، وحسبما تناقلته مصادر موثوقة فإن لدى دولة الكويت الرغبة في استلام منصب (الأمين العام لمجلس التعاون) بعد التشاور البروتوكولي مع سلطنة عُمان صاحبة الحق الأساس فيه.

وعودٌ على بدء، فإن مرور سنتين على الأزمة القطرية دون حل ليس بالأمر الهيِّن على حاضر ومستقبل منظومة مجلس التعاون، كما أن قطر تدفع ثمناً باهظاً نتيجة خرقها الواضح لكافة العهود والمواثيق والاتفاقيات الخليجية وتعنّتها ومكابرتها بتعزيز علاقاتها السياسية والعسكرية مع إيران وتركيا، وتماديها بعدم التزامها بتنفيذ المطالب المُتفق عليها، والانعكاسات السلبية لذلك على الداخل القطري والخليجي، خصوصاً بعد أن استخدمت قطر ثروتها المالية الضخمة واستغلَّت تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي في محاولات لتغيير الأنظمة العربية والتأثير على الملفات الساخنة في المنطقة (سوريا وليبيا واليمن ولبنان والعراق)، مما يزيد من انفصالها عن منظومة (مجلس التعاون) الذي تُشير كل القراءات إلى أنه قد يمضي دونها خلال الفترة القادمة، والمؤسف حقيقةً أن تفكّك المجلس وانهياره ورضوخ قطر لحماية القوات الأجنبية (التركية والإيرانية) وإشعال الفوضى الأمنية والسياسية في المنطقة عموماً، ينصبّ مباشرةً في مصلحة إيران التي يشهد الواقع على أنها العدو الأكبر للعرب والساعية على مدى التاريخ إلى بسط سيطرتها على المنطقة باستخدام كافة الوسائل وبالتعاون والتنسيق مع كافة القوى المتوافقة معها في الأهداف والمصالح.

إن أمر بقاء منظومة (مجلس التعاون) واستمرار عملها في ظل الأزمة القطرية وتفاقمها وعدم وجود بوادر مشجعة لحلها بعد أن رسَّخت قطر العديد من الخطوات المؤكِّدة على خروجها عن الإجماع الخليجي، يضع المتابع لمجريات وتطورات هذه الأزمة في دائرة الذهول والاستغراب، خصوصاً مع الدور القطري الأساسي في إعداد وتمويل وتنفيذ كافة المؤامرات والفوضى التي تعرَّضت لها الأمة العربية لتنفيذ مخطط (الربيع العربي) لتحقيق عملية التغيير الكبرى الهادفة لإسقاط كافة الأنظمة العربية وقيام أنظمة حكم جديدة تقودها أيديولوجية إخوانية منسجمة تماماً ونظام (الوليّ الفقيه) الإيراني، حتى أصبحت العديد من الدول العربية تدور في فلك السياسة والنفوذ الإيراني كالعراق وسوريا ولبنان واليمن.

فقد أصبح أمر تعزيز أمن دول مجلس التعاون وحريتها في اتخاذ  قرارتها حتى وان تعارضت مع الولايات المتحدة بما يؤكد سيادتها ويسكت الرئيس ترامب عن تصريحاته المتهورة ذات الطبيعة الاستغلالية لمجرى العلاقات التاريخية بين دول المجلس والولايات المتحدة واستمرار عمل (منظومة مجلس التعاون) في ظل التهديدات الأمنيّة المحيطة التي أشعلها التوتر الشديد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، أمراً يتطلَّب التفكير العميق والمراجعة الدقيقة للأحداث التي مرَّت بالمنطقة، خصوصاً بعد قيام طهران بإسقاط الطائرة الأمريكية المسيَّرة فوق مضيق هرمز في (20 يونيو 2019م)، وتصاعد حدَّة التصريحات الإعلامية والتهديدات بالحرب الشاملة في المنطقة وتخطيط واشنطن لشن ضربات عسكرية على إيران أوقفها الرئيس الأمريكي قبل عشر دقائق من انطلاقها، وفرض عقوبات جديدة على مسؤولين إيرانيين كبار في مقدمتهم المرشد الأعلى خامنئي في (24 يونيو 2019م).

ولكي يستطيع مجلس التعاون التقدم إلى الأمام والمحافظة على سيادته واستقلاله وحماية حدوده الخارجية ونظامه الداخلي، فإن ذلك يتطلَّب منه التقييم الشفاف لمسيرته ومراجعة ما يواجهه من تهديدات مباشرة لكيانه مع الأخذ في الاعتبار النقاط الأساسية الآتية: 

1. الموقف الأمريكي المؤسف الذي نزع عن منطقة الخليج أهميتها كشريان لإمدادات الطاقة والنفط في العالم بتصريحات ترامب بأن (بلاده ليست بحاجة لنفط الخليج)، وتصريحاته السمجة المرتكزة على استراتيجية تجارية بحتة تهدف إلى استنزاف ثروات دول مجلس التعاون مقابل تأمين أمنها الاستراتيجي، والذي أثبت فشله في الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران رغم الحشد العسكري الأمريكي الكرتوني في الخليج وبحر عُمان.

2. تعنُّت القيادة القطرية ومكابرتها وتعزيزها لعلاقاتها الأمنية مع إيران وطلبها من الحكومة التركية فور تفجّر الأزمة وفي خطوة قاصمة للاتفاقيات الأمنية والدفاعية التي تعتبر من أركان العمل الخليجي المشترك بتعجيل تصديق البرلمان التركي على الاتفاقية العسكرية الموقَّعة بين البلدين في (19 ديسمبر 2014م) للسماح بنشر وحدات من القوات المسلحة التركية على الأراضي القطرية، مما سمح بتواجد (5000) جندي تركي وإقامة قاعدة عسكرية قريبة من خط الحدود السعودية القطرية حتى أصبحت القوات التركية على بعد كيلومترات قليلة من منابع النفط في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية وما يشكِّله ذلك من تهديد للأمن الوطني السعودي واستقرار دول المجلس.

3. أهمية قيام دول المجلس بترتيبات داخلية تحقق الحكم الرشيد والشفافية والقضاء على الفساد وبناء مجتمع تعددي فاعل يمارس دوره كاملاً في البناء والتطوير بما يدعم الانظمة الشرعية القائمة ويحقق الامن والاستقرار الاجتماعي ويقضي على كل التهديدات والأطماع والتصريحات غير المسؤولة التي تضع دول المجلس تحت مظلة الحماية الامريكية المدفوعة الثمن الى جانب وضع استراتيجيات بعيدة المدى في العلاقات مع الدول الكبرى الأخرى كالصين والهند وأوروبا تحقق توازنا في العلاقات مع كافة الدول بما فيها الولايات المتحدة للتحرر من الاعتماد الاستراتيجي الدفاعي والأمني معها .

إن إعادة النظر في انعكاسات الأزمة القطرية والأوضاع المعقَّدة التي تعيشها  الإقليمي.

فبعد أن وضعت الدول الخليجية المقاطعة وجمهورية مصر العربية النقاط على الحروف في قائمة مطالبها الثلاثة عشر التي قُدِّمت إلى قطر فور تفجّر الأزمة، فإن ما يستوجب العمل عليه فوراً هو البحث في كيفية انطلاق أعمال مجلس التعاون.

لقد اختارت قطر طريقها للخروج عن عمقها الخليجي الاستراتيجي بالترتيب مع عدد من دول الجوار عند توقيعها على عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والعسكرية مع إيران وتركيا وسلطنة عُمان التي قامت بفتح خطوط بحرية على موانئها في الخليج العربي وبحر العرب، ومحاولة تحسين صورتها بتوقيع مذكرات مكافحة الإرهاب مع الجانب الأمريكي، وموافقتها على تعيين مراقبين أمريكيين في مصارفها لمراقبة حركة التحويلات المالية إلى الخارج كجزء من مكافحة تمويل الإرهاب، لذلك فإنه لابد من التفكير الجاد في الوضع الحالي للمجلس، والبحث عن آليات جديدة تحفظ استقراره، ويكون هذا بأحد الأمرين:

أولاً: إعادة الحياة لنشاط الأمانة العامة لمجلس التعاون وبث الروح في مسيرة العمل الخليجي المشترك بالحد الأدنى من التنسيق والتفاهم بهدف استكمال بناء الكيان الاقتصادي الخليجي والانجازات العظيمة التي تحقَّقت على صعيد تكامل العمل الاقتصادي والتجاري والثقافي والاجتماعي وغيرها.  

ثانياً: التفكير الجاد في الاستفادة من تجربة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في إنشاء (منظمة حلف شمال الأطلسي - الناتو) عام (1949م) بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بأن تبحث دول مجلس التعاون المقاطِعة إنشاء حلف عسكري وأمني يضمّ في مرحلته الأولى كل من (دول الخليج الخمس، مصر، باكستان، ماليزيا) تكون مهمته التصدي الجماعي للتهديدات والمخاطر المتوقعة والاستفادة في هذا الشأن من الاتفاقيات الأمنية والعسكرية والدفاعية الموقعة بين دول مجلس التعاون.

وبذلك تُحقق الدول المتحالفة أهدافها في حماية أمنها واستقرارها ومواجهة الأطماع الفارسية والتركية وتهديدات الرئيس ترامب غير المقبولة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها