النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

الناس وقشعريرة الحرب حين تندلع

رابط مختصر
العدد 11040 الإثنين 1 يوليو 2019 الموافق 28 شوال 1440

أثارني حزناً قبل مدة هلع امرأة بحرينية بصوت مسجل على «الاوديو» في ذلك الهاتف اللعين، وكان مبعث هلعها الكبير هو اعتقادها أن البحرين تعرضت للحرب فجأة من جراء تجريب جرس الانذار المبكر للناس، بحيث يكونون مستعدين لحالة الطوارئ القصوى بالهروب الى الملاجئ والأنفاق المتوافرة في البلاد وتنفيذ التعليمات اللازمة من فرق الدفاع المدني. 

تلك المرأة المسكينة لم تميز بين ما قيل لها مسبقاً عن أن أجهزة الدفاع المدني ستقوم بتجربة وفحص أجهزتها غداً وبين تلبسها بحالة هلع فعلي من كابوس الحرب الذي نزل على سقف بيتها. جلست أفكر بآسى كم هي الحروب مرعبة تنقل بأجوائها الكابوسية الناس البسطاء من حالة هدوء وسكينة الى وضع مهووس وهستيري، وكأنما شبح الموت عالق في نوافذ تلك البيوت. 

ويتسع ويتضخم شعور الهلع في تلك المجتمعات الانسانية التي لم تعرف أجيالها قط رائحة الحرب ولا مواجعه ولا غطت شوارعها وطرقاتها جثث الموتى والضحايا من الاطفال والنساء والشيوخ، هؤلاء الناس الساكنين في فردوس العزلة والطمأنينة والسلام لا يمكننا تخيل حالة الهلع المتناهية التي كتمت تنفسهم وحركتهم وقدرتهم على التصرف مع ظروف جديدة غريبة على قيمهم وعاداتهم اليومية. 

لن يجدي أولئك البؤساء البسطاء من المواطنين والسكان الاستجداء من فضاء خوف مستشرٍ بقصص الحرب والدم والدمار المنتظر غريزتهم الانسانية المرتبطة بحالات الخوف بتلك الاستغاثات المختنقة. 

جلست أقارن حالتنا في مدينة كالمنامة والمحرق، ومدننا وبلداتنا الصغيرة بتلك الشعوب والبلدان، التي بعضها مرت بحالات حروب كونية كالحرب العالمية الأولى والثانية وبلدان عانت حروباً استعمارية قاسية للغاية ومدن عاشت مرارة سنوات طويلة لحروب أهلية مأساوية، ومن السهولة التوقف عند أكثرها وحشية وتدميراً، كما هي مدن كاملة أزالتها القنابل من على وجه الارض هي بسكانها، وقصص لا زالت في ذاكرة جيلنا تتذكر بشاعة قنابل الموت في فيتنام واليابان وحروب أهلية أورثت النساء العقم والتشوه، ففي قارة أمريكا اللاتينية عرفت المكسيك وهندوراس وكولومبيا والسلفادور وغواتيمالا وبلدان أخرى أقل سنوات صراعات دموية بين الحكومات المتعاقبة وحركات حرب الغوار والعصابات، أحرقت من خلالها بيوت وغابات وبشر، ولم تسلم في القرن الماضي حتى اليوم القارة الافريقية وآسيا والبلقان والبحر المتوسط، ولا زالت حتى لحظتنا الصواريخ الباليستية والمليشيات والمرتزقة والاسلحة المتطورة تمارس هواية القتل والابتزاز، مدن عدة تحتل المدن العربية فيها خارطة الهلع الجاثم على أرواح الناس. 

لا أحد يحب الحرب او الموت هكذا تبدو الصورة والحقيقة التي يتم الترويج لها، ولكن الجميع يمارسونه ويعيشونه تحت ظروف خارجة عن إرادة الناس البسطاء العزل. هذا الهلع المدفون في لا وعي المدن الهادئة كدول الخليج لا تعرف أين وماذا يخفي الكبار والأعداء لهم من مستقبل منظور وقريب، لا يدرون متى وكيف سيدخلون لعبة بحجم تلك الاسلحة المكدسة، من هنا يبدأ نبض قلب تلك البيوت يتوجس من الشائعات والمبالغات والقصص المتوحشة عن نمط من الاسلحة المتطورة. لم تدخل دول مجلس التعاون حروباً مباشرة لا داخلياً ولا خارجياً ولكنها استنشقت عن قرب دخان ثلاث حروب دامية في الخليج كان النصيب الأكبر منها روائح الموت والبارود من حصة ايران والعراق، غير أننا اليوم نجد جيوشا وجنودا على جبهات عدة تلاحق إرهاب الميليشيات الحوثية وغيرها في اليمن المثخن بجراح سنوات طويلة من «لعبة السلاح» بين القبائل والاحزاب والمليشيات. 

ذلك الهلع الذي عرفته نساء اليمن عن قرب، لا نتمنى أن تستشري فجيعتها لبلدان مجلس التعاون، التي نجحت خلال نصف قرن او أكثر منذ الحرب العالمية الثانية تدفع بعيداً أخطار الحرب عن مدنها لولا تلك الصواريخ المعادية التي برهنت أنها مستنفرة وعدوانية من كل جهات محتملة. 

يتذكر جيل في البحرين فترة الحرب العالمية الثانية حالة الحرب والتهديد على خزاناتها النفطية والقنابل التي تساقطت في الخلاء والبحر، وكيف عاش الناس في حالة طوارئ حقيقية لمناخ حرب عالمية ثانية، مدن تعيش قلقة مرتجفة تحت وطأة ظلام دامس كأبسط إجراء لحماية البلاد من أنياب هلع كامن وعدوان متوثب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها