النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

العدمية في الكتابة والسياسة

الاستبداد «الديمقراطي» ومنطق الاقصاء والاجتثاث

رابط مختصر
العدد 11040 الإثنين 1 يوليو 2019 الموافق 28 شوال 1440

أرسل لي أحد الأصدقاء نسخة الكترونية من مقال طويل عريض، كتبه أحد الكتاب قبل أيام قليلة، يحلل فيه تحولات الوضع السياسي في تونس والتي «تعيش هذه الأيام -على حد قوله-أجواء متوترة مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة التي ستجرى في خريف 2019، جراء أزمة الانتقال إلى الديمقراطية، إذ تسهم الأحزاب الحاكمة التي أصبحت لا تجيد من الديمقراطية سوى الفوز بالانتخابات (....) في تعميق أزمة نظام الحكم الليبرالي القائم على فلسفة»الديمقراطية التوافقية«التي تعاني بدورها من الفساد البنيوي والظلم المتزايد، والفشل في تحقيق انتظارات الشعب» هكذا!

 

وعقب الصديق على هذه المقالة الطويلة بالقول: 

«إنها نموذج آخر من نماذج الكتابات المشحونة بالمصطلحات والبيانات، اختزالا لوضع معقد ومركب. وبغض النظر عن مدى صحة الاستنتاجات التي توصل إليها الكاتب، فإن العجيب الغريب هو هذا المنحى المتصاعد في الكتابة السياسية الذي تحول إلى ظاهرة عدمية من خلال الكتابة ضد الكل ومقاطعة الكل وتسفيه الكل: ضد الدولة وضد التوافق وضد الإسلاميين وضد اليسار وضد اليمين وضد القوميين وضد العلمانيين، وضد الجميع في النهاية. ولذلك يصور أصحاب هذا المنحى الوضع السياسي في هذا البلد أو في غيره من البلدان على أنه حرب طاحنة شاملة يشتبك فيها الكل ضد الكل».

 

قلت للصديق: 

إن هذا المنزع في الكتابة ومثيله في السياسة والذي لا يرى إلا السواد والعدم المطبق، ينطوي على مخاطر كبيرة تهدد بتحويل الإخفاق المرحلي أو الطارئ لبعض البلدان أو الشعوب إلى كارثة لا حل لها. ومن معالم هذا النوع من التحليل، أن ينظر البعض إلى مجموع تاريخنا الحديث والمعاصر كسلسلة متواصلة من المآسي والهزائم والاحباطات (وانه ما فيش فايدة !!)، وأن هذه الانتكاسات، مصدرها انحطاط الذات وانعدام القدرة ونقص الكفاءة في مواجهة تحديات الواقع والتحولات العالمية. وهكذا يظهر الإخفاق هنا كما لو كان تجسيدا لعاهة فطرية، أو ثمرة حتمية لنقيصة ذاتية وخطيئة أصلية، وعندئذ يغلب موقف الندب والنواح على موقف التحليل والمراجعة، وتكون النتيجة تكريسا مزمنا للسلبية وتعذيب النفس وتأنيب الضمير. وجميعها من المشاعر التي تقضي على إمكانية استعادة الثقة في النفس والروح الإيجابية والقدرة على المبادرة. وإشاعة روح الشك بأن الإخفاق لا يعبر فقط عن عدم فعالية الاستراتيجيات والوسائل التي اتبعت إلى حد الآن فقط، ولكن أيضا عن ينم عن تهافت الأهداف والمبادئ والثوابت التي قامت عليها فكرة النهوض والتقدم والتحول إلى الديمقراطية. فيقع التشكيك في صلاحية العمل السياسي وفي جدوى الجهد الفكري والثقافي، وفى نجاعة التحول الاجتماعي، وفى مصداقية المبادئ الإنسانية وفي جدوى الديمقراطية نفسها. فتتطور دعوة الانكفاء على الذات والاحتماء بالجماعة الطائفية والعائلية، والاكتفاء بخدمة المصالح الجزئية المباشرة وحتى الغريزية. وهكذا يصبح الحديث عن الإخفاق وسيلة لتدعيم الممارسات السلبية، والاتجاهات التقسيمية التي كانت نفسها من أسباب هذا الإخفاق ومكوناته. فبقدر ما يؤدي هذا الموقف إلى الهروب إلى الأمام، والشطب على المكاسب والخبرة التاريخية، ومحوها ودفنها، بقدر ما يؤدى إلى التراجع النظري والعملي وإلى الانكفاء نحو مواقع صرف المجتمع قرونا طويلة لتجاوزها، وتبديلها والارتفاع عليها.

نحن إذا في مواجهة هذه العدمية وسوء التدبير على مختلف الأصعدة نحتاج إلى تعبئة طاقات فكرية وسياسية وروحية وجماعية لا حدود لها، وهي إمكانيات موجودة، إلا أنها تحتاج إلى تطوير إدارة الدولة وتنمية الديموقراطية والثقة بها وتعزيز الروح العقلانية، وتعبئة النخبة المثقفة والنخب السياسية في المجتمع السياسي للنهوض بالوضع على جميع المستويات.

ولذلك أقول: مهما بلغ رموز «التيار العدمي» من مهارة في صنع الحجج الذرائعية، فإنهم لن يستطيعوا الخروج من نفق التآكل الذاتي، خاصة وأنهم على ما يبدو، لم يفكروا في الاستتباعات القريبة والبعيدة لهذه الوثبة العدمية، ولكن الخطر كل الخطر أن يواصل هؤلاء تمددهم على قطاعات واسعة من الأذهان السطحية في الفضاء السياسي، بما ينتجونه من مغالطات لترويج فروسية مزعومة فقدت كل صلاتها بالعقل الحديث وبمنجراته الفكرية والإنسانية. 

 

قال الصديق:

-إن مثل هذا الخطاب (المقالي أو السياسي) لا يقدم معرفة بل إيديولوجيا استعراضية. وبغض النظر عما يرد فيه من خلاصات عجولة مبنية على قولبة أيديولوجية مسبقة، يبدو لي أن الكل تقريبا، ضالع في الأزمة بما في ذلك المعترضون على اليمين الليبيرالي (الديني والبراغماتي)، إذ الأطر المرجعية والأولويات ونماذج الممارسة السياسية والنخب (والقيادات) النشطة منقطعة عن السياق ومتمركزة حول عقائدها ومصالحها واصطفافاتها. وما تتعرض له الدولة (بوصفها آلة منظومية مدنية ضخمة تعمل، باتساق وفاعلية استراتيجيين، من أجل أهداف وطنية ذات أولوية طبقا لقواعد ذات علوية وموارد ذات استدامة وكفاءات ذات مهنية تقنية) من تقويض هو أخطر من الضرر الذي لحق بالناس، إذ الأزمات جزء من تجارب الشعوب، لكن آلة الخروج منها (وهي الدولة ولا شيء غيرها) هي التي تضررت.

وإذا كنت مصرا للعودة إلى جوهر المقال فإني أرى أن تشريح الواقع الخاص بالمجتمع السياسي التونسي الذي يهيمن عليه الاسلام السياسي منذ 2011 مع التحالف مع تكتل نداء تونس الذي تشظى بفعل الصراع على الكراسي، يفضي إلى القول بأن الاسلام السياسي والقوى المنظوية تحت نداء تونس (وتشظياته) يتفقان مبدئيا على نفس المنوال التنموي المستند الى منطق الرأسمالية النيوليبرالية، أما على الصعيد السياسي فالمجموعتان تسعيان الى إحداث انقلاب على المكاسب القليلة التي تحققت على صعيد الحريات الديمقراطية، لأنهما ذاقتا طعم السلطة، ولانهما في الواقع لا تؤمنان بالتمشي الديمقراطي الحقيقي المفتوح أمام الجميع، واللذان يحرصان على وضع العراقيل والعتبات والاستثناءات، التي لم تتخلص من منطق الاجتثاث ورفض قلب صفحة الماضي. والمصيبة ان هذا الحلف غير المقدس يبدو في طريقه الى التكرس ليتحول الى آلية للحكم لمدة طويلة لإعادة انتاج نوع جديد من الاستبداد (الديمقراطي).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها