النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

جاسم إبراهيم.. غيمة جميلة تمطر عطرًا

رابط مختصر
العدد 11038 السبت 29 يونيو 2019 الموافق 26 شوال 1440

الناس في الحياة نوعان، نوع يجمع المال ونوع يجمع الخصال الحسنة والأعمال الصالحة. نوع يخدم نفسه ونوع يخدم غيره. نوع لا يكترث كثيرًا لكرامته، ونوع يضحّي من أجل الكرامة والعزة، كان جاسم إبراهيم بوشعر الذي توفي قبل أيام من النوع الثاني الذي لا يألو جهدًا ولا يتأخر في خدمة البشر وإيثارهم على نفسه، وتقديم العون لهم بشتى الطرق والوسائل والبحث عمّا يسرهم وينفعهم. 

هكذا سارت حياته منذ أن تشكل وعيه الأول واشتد عوده، فقادته هذه الخصال الإنسانية الحميدة إلى حركة القوميين العرب وهو في عمر الزهور، فالوطنية هي أعلى الخصال وأجملها، وكان الوطن تحت هيمنة الاحتلال البريطاني، فدخل الحركة مناضلاً وفيًا ونقيًا، كما كان مواطنًا صالحًا. 

جاسم إبراهيم شغفته الحرية وحملته على أجنحتها إلى آفاقها الرحبة التي لا يحظى بلذتها إلا كبار النفوس. عرفته آنذاك خلايا القوميين العرب المنتشرة في الأحياء الشعبية، فعلمته كما علمتنا البذل والعطاء والتفاني في خدمة الوطن، والوطن هم أهله، فتفوق في الأخلاق والسلوك، حتى نال الرئاسة في حينا الصغير (الحورة /‏ حالة بن أنس)، رئيسًا للنادي العربي ينتخب بالإجماع والتزكية على مدار سنوات طويلة. أحب الناس أكثر من حبه لنفسه، وقد تركته هذه الخصلة ليعيش من ذوي الدخل المحدود مثل الآخرين، جاسم إبراهيم لم يسعَ مثل مناضلين كثيرين إلى بناء حياته الشخصية، كان مشغولاً ببناء أكبر. 

ليس غريبًا إذن أن يعيش في منزل صغير من بيوت الإسكان، الذي كان لا يتسع لأصدقائه الكثيرين الذين لا ينقطعون عن زيارته، وتغص بهم صالة منزله الصغيرة في الليل والنهار. 

هناك في هذه الحياة من يستثمر ذكاءه لنفسه وهناك من يستثمره في بناء حياة الناس، بذلك لا أستطيع أن أنسى أن جاسم كان من الطلبة الأذكياء جدًا متفوقًا في دراسته. التحق «أبوهيثم» بقسم المعلمين، فصار معلمًا، لتستمر سيرته العطرة في مهنة تليق به ويليق بها. وكان أبوهيثم متفانيًا في مهنته، هو الذي تعلم في حركة القوميين العرب أن التعليم هو مصدر قوة للأمة، بذلك كان يتعامل مع الطلاب كأولاده، فتعاملوا معه تعاملهم مع الأب الصالح. تنقل الأستاذ جاسم في مدارس عدة، في بلدان عدة، في مدارس الرفاع وعبدالرحمن الداخل ومدارس الإمارات. 

ثلاث مفاصل شكلت حياة هذا الرجل النبيل: حي الحورة العريق النابض، وحركة القوميين العرب، والتدريس. كنت أرى في جاسم الذي رحل عنَّا قبل أيام صفات الشخصية البحرينية، البساطة، والبذل والتضحية والكرم والوطنية وحب الناس والمرح والفطنة والتواضع والطيبة الزائدة. 

صاحبت جاسم إبراهيم زمنًا طويلاً، كنا توأمين لا ننفصل، نذهب ونأتي معًا، وكل منَّا يجد في الآخر صدى نفسه وتوأم روحه. جمعتنا محبة الوطن فانخرطنا في القوميين العرب معًا، وشملتنا محبة الحورة فترأسنا النادي العربي معًا، وتقدمنا في كل الأمور التي تخدم أهل الحي، ومازلت أذكر البيوت التي بنيناها عمالاً مع أهل الفريج، ومستوصف عراد الذي شارك في بنائه أعضاء النادي العربي ونادي رأس رمان. التعاون كان ثمار المحبة، وتقدمنا لنبذل ونعطي ونلتذ بالبذل والعطاء، وكانت تلك سمات عادية في ذلك الوقت، تعلمناها من الأجيال السابقة. يقول الشاعر عروة ابن الورد (أحاديث تبقى والفتى غير خالد). 

في النهاية نحن جميعًا طارئون وذاهبون، وستبقى سيرتنا بين الناس، يتداولونها إن كانت حسنة، كلنا ذاهبون وأثرنا الباقي هو السيرة الشخصية. ظل صديقي أبوهيثم شامخًا وهو مقعد على سرير المرض سنوات طويلة، يلتذ بسيجارته وفنجان قهوته في مجلسه الصغير المتواضع، وتطل من وجه الأسمر بلون سفن البحر التي كانت منتشرة في الحورة، تطل عينه الصقرية الساخرة والمتألمة والمتأملة، التي تقول كلامًا كثيرًا أعرفه: لقد أُجهض الحلم لكن الأمل باقٍ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها