النسخة الورقية
العدد 11151 الأحد 20 أكتوبر 2019 الموافق 20 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

تركيا ورائحة النفط القبرصي

رابط مختصر
العدد 11036 الخميس 27 يونيو 2019 الموافق 24 شوال 1440

لم تبرأ قبرص بعد من جراحات الغزو التركي للجزيرة منذ مطلع السبعيات من القرن المنصرم، حيث نزفت الجزيرة بالألم والخسائر وتمزق أواصر العائلات والمفقودين، وقد انشطرت الجزيرة الى شطرين بعد أن استحوذ الأتراك على نسبة من الأراضي تقدر 34% من حجم الجزيرة، فيما كان نسبة عدد سكان الجزيرة من القبارصة الأتراك لا يتعدى 18%، بمعنى ذلك أن الغزو استملك بالقوة ما يوازي الضعف من طبوغرافيا الجزيرة قياسًا بنسبة السكان المنقسمين الى عرقين أساسيين هم القبارصة اليونانيون 80%، والقبارصة الأتراك 18%، وأقليات اثنية قليلة للغاية 2% هم من المارونيين والأرمن. 

دون شك خلال هذه العقود من التقسيم حدث تخلخل في التركيبة السكانية في الشطرين. 

ظلت المشكلة القبرصية تتأرجح بين محاور ومعسكرات خلال الحرب الباردة، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت قبرص عضوًا في الاتحاد الاوروبي الجديد، حيث باتت تلك القوة الأوروبية الى جانب روسيا الاتحادية دول وقوى داعمة للموقف القبرصي في تلك الأزمة المستعصية، والتي خيوطها ممتدة من أنقرة حتى أثينا ومن واشنطن حتى لندن، كلها دول ارتبطت مصالحها الجيوسياسية والسياسية بقبرص نتيجة أهمية موقعها الاستراتيجي في البحر الأبيض المتوسط، وقد برز هذا الدور بعد المتغير السياسي لمصر الملكية وقدوم الضباط الأحرار للحكم وشكلوا اتجاهًا تحرريًا جديدًا دفع بالانجليز التركيز على الجزيرة، وازدادت تلك الأهمية بعد حرب السويس وجلاء الجيش البريطاني من مصر كأهم قاعدة في شمال افريقيا وشرق المتوسط. 

كان قدر قبرص المتورطة بالمعاهدات البريطانية وأعضاء في حلف الناتو أن تصبح قبرص بعد نيل استقلالها بلدًا يقع تحت ضمانة تلك الدول الثلاث – بريطانيا واليونان وتركيا – غير أن الحقيقة، أن الدول الثلاث كانوا أعضاء في الناتو وهم من تآمروا على غزو الجزيرة والتخلي عن تعهداتهم بحماياتها من اي غزو خارجي، تاركين قدر الجزيرة الصغيرة وحدها في مواجهة جيش تركيا الجرار المدجج بأكثر الأسلحة الأمريكية تطورًا في جنوب شرق أوروبا، باعتبار أن تركيا في تلك المرحلة كانت تشكل مرتكزًا مهمًا لحلف الناتو في مواجهة الاتحاد السوفيتي القريبة حدوده من حدود دول الشرق الاوسط. 

تلك الخيانة التاريخية وبتواطؤ دول عدة كشفت عنه الوثائق التاريخية، دفعت جزيرة قبرص الصغيرة في المنطقة حتى اليوم، ثمنًا باهظًا للتقسيم واستمرار النزيف السياسي الطويل، دون الوصول للحل النهائي للازمة. رغم التغيرات الدولية والاقليمية الكبرى، كان نصيب الجزء القبرصي الجنوبي أن تكتشف قبل سنوات قليلة في مياهها الاقليمية كميات كبيرة من النفط والغاز، بالاضافة للمياه الاقليمية المشتركة بين لبنان ومصر واسرائيل. 

بعد تلك الحقيقة «النفطية» سارعت الشركات الكبرى بعرض فرص الاستثمار والتنقيب، ومع تدفق النفط والغاز في الشهور القليلة الماضية ازداد لعاب تركيا تهيجًا مهددة المجتمع الدولي أن تلك المياه الاقليمية مياه مشتركة ومن حقها التنقيب، دافعة بتلك الآليات والحفريات مدعومة من الجو بمروحيات عسكرية استعراضية لحماية الحفريات المستمرة في الجزء القبرصي. 

تلك التجاوزات التركية التي كثيرًا ما حدثت يتم استيعابها بالحوار والدبلوماسية، فعندما تحججت تركيا بأن تلك الكميات المكتشفة في الجزء القبرصي الجنوبي هو ثروة لكل الجزيرة بشطريها، ومن حق القبارصة الأتراك في تلك الثروة النفطية والغاز، فما كان من قبرص والاتحاد الاوروبي إلا بالرد، طالما هناك نزعة وتوجه لتقاسم الثروة المشتركة والمكتشفة حديثًا، فإن الاولى بأن تحل المشكلة القبرصية بتوحيد الشطرين ليتم بعدها توزيع الثروة وتقاسمها في الدولة الموحدة. 

لم يعجب الأتراك الرد والحجة ولم يجدوا مخرجًا لتلك الصدمة الفعلية لمعالجة الأزمة بالدبلوماسية بدلاً من التلويح بالقوة وفرض سياسة القوة على الحكومة القبرصية. 

مجددًا تدهورت العلاقات بين انقرة والاتحاد الاوروبي نتيجةانشطة الحفر في شرق البحر المتوسط، فرائحة النفط الغزيرة حلم تركيا البعيد، الذي سعت على الدوام لامتلاكه، ومن المستبعد أن لا تدفع تلك الطموحات والنزعة التوسعية التركية نحو الاحتكاك العسكري، فقد عادت الأصابع مشدودة للسلاح في فضاء رائحة النفط والبارود.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها