النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

طرف العرب ونوادرهم عن العلم والكتاب

رابط مختصر
العدد 11036 الخميس 27 يونيو 2019 الموافق 24 شوال 1440

تزخر المصادر العربية وبصورة خاصة كتب التراث كـ(العقد الفريد) لابن عبد ربه، و(صبح الأعشى) للقلقشندي، و(محاضرات الأدباء) و(محاورات الشعراء والبلغاء) لأبي القاسم حسين بن محمد المعروف بالراغب الأصبهاني، و(معادن الجوهر ونزهة الخواطر) للسيد محسن الأمين، و(عيون الأخبار) للدينوري، وغير ذلك من كتب التراث العربي الإسلامي، بذكر أحداث وطرف ونوادر تتعلق بالعلم والكتاب، وهي طرف وأحداث شهدتها العصور الإسلامية التي بنت حضارات عرفت باسمها كالعصر الأموي والأندلسي والعباسي والفاطمي. 

فقد عرف العرب بحبهم للكتاب والمحافظة عليه وعدم إعارته خوفاً من ضياعه إلا إذا كان المستعير ثقة، وقال أحد الشعراء:

إني حلفت برب البيت والحرم

هل فوقها حلفة ترجى لذي قسم؟

أن لا أعير كتاباً فيه لي أرب

إلا أخاً ثقة عندي وذا كـــــرم

وقال بعضهم معتذراً عن امتناع إعارة كتاب اقتناه منذ عشرين عامـاً.

لصيق فؤادي منذ عشرين حجة

وصقيل ذهني والمفرج من همـــي

يعز على مثلي إعارة مثــــــله

وآليته أن لا يفارقه كمــــــــي

ونظر المأمون بعض أولاده وفي يده كتاب فسره ذلك كثيراً، وقال ما هذا الذي بيدك؟ فقال: بعض ما يشحذ الفطنة ويؤنس الوحشة.

فقال المأمون: الحمد لله الذي جعل في أولادي من ينظر إليه بأدبه أكثر مما ينظر إليه بحسبه.

ورث المأمون حب العلم والمعرفة من والده هارون الرشيد. ويروي أن مؤدب (أي معلم) الأمين والمأمون أبو مريم ضرب الأمين فخدش ذراعه، فدعاه الرشيد إلى الطعام - أي دعا ابنه الأمين - فتعمد أن حسر عن ذراعه فرآه الرشيد فسأله، فقال: ضربني أبو مريم، فبعث إليه ودعاه قال فخفت. فلما حضرت قال يا غلام وضئه فسكنت وجلست أكل. فقال ما بال محمد (الأمين) يشكوك، فقلت قد غلبني خبثاً وغرامه بمعنى أنه كان لا ينصت للدرس. فقال الرشيد: اقتله فلئن يموت خير من أن يموق، أي خيراً من أن يكون غبياً أحمقاً.

وحكى أبو جعفر النحاس، أن المأمون قال لأبي العلاء المنقري: «بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن في كلامك». فقال: «يا أمير المؤمنين: أما اللحن فربما سبقني لسان بشيء منه، وأما الأمية وكره الشعر فقد كان رسول الله (ص) أمياً لا ينشد الشعر».

فقال له المأمون: «سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فرددتني رابعاً وهو الجهل، يا جاهل ذلك في النبي فضيلة وفيك وفي أمثالك نقيصة».

كان خلفاء ورجالات الدولة في العصرين الأموي والعباسي يرون أن الجهل أي الأمية نقيصة. فقد خرج الوليد بن يزيد حاجاً ومعه عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر، فكانا ببعض الطرق يلعبان الشطرنج. فاستأذن عليه رجل من ثقيف فأذن له وستر الشطرنج بمنديل. فلما دخل سلم فسأله حاجته، فقال له الوليد: أقرأت القرآن؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، شغلتني عنه أمور وهنات. قال أفتعرف الفقه؟ قال لا، قال: أفرويت من الشعر شيئاً: قال: لا، قال: أفعلمت من أيام العرب شيئاً؟ قال: لا، قال: فكشف المنديل عن الشطرنج وقال: شاهك. فقال له عبدالله بن معاوية: يا أمير المؤمنين، قال: أسكت فما معنا أحد.

عرف العرب بحبهم للكتاب لدرجة لا توصف، فقد حكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي أن أبا الحسن علي بن أحمد بن علي القالي وهو من الأدباء الكبار، كانت له نسخة من كتاب (الجمهرة) لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها بعد مرور عشرين عاماً على اقتنائها، فاشتراها الشريف المرتضى بستين دينارًا وتصفحها فوجد فيها أبيات بخط بائعها الأديب القالي يبدي فيها حزنه الشديد على بيعه هذه النسخة:

أنست بها عشرين حولاً وبعتــها

لقد طال وجدي بعدها وحنيـــــني 

وما كان ظني أنني سأبيعـــــها

ولو خلدتني في السجون ديونـــــي

ولكن لضعف وافتقار وصبية

صغار عليهم تستهل شؤونـــــــي

فقلت ولم أملك سوابق عبــــرة

مقالة مكوي الفؤاد حزيــــــــني

وقد تخرج الحاجات يا أم مــالك

كرائم من رب بهن ضنيـــــــــني

فتأثر الشريف المرتضي وهو من كبار أدباء عصره، فقام بإرجاع النسخة لأبي الحسن القالي وترك له الدنانير.

وفي حادثة أليمة، شهدتها دولة الأندلس أدت إلى حرق مكتبة ابن حزم الأندلسي تمثلت في عداء حدث بين المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية وابن حزم، فقام صاحب اشبيلية بطرد ابن حزم من بلاطه، فلم يتأثر. ثم عمد إلى هدم دوره وصادر أمواله وأملاكه فلم يكترث، وأخيراً قام بإحراق كتبه بإشبيلية علانية. فلما بلغه ما فعله المعتمد بن عباد بكتبه تأثر تأثراً شديداً، وخاطبه شعراً متحدياً ما قام به من حرق لكتبه فقال:

دعوني من إحراق رق وكاغــــــد

وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري

فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي

تضمنه القرطاس بل هو في صــــدري

يسير معي حيث استقلت ركائبي

وينزل ان أنزل ويدفن في قبـــــــــــري

وشهدت قرطبة بالأندلس حادثة ظريفة أبطالها صاعد بن الحسن بن عيسى المعروف بأبي العلاء وابن العريف وذلك في بلاط المنصور، حيث يروي عن صاعد بن الحسن أنه بعد أن انتهى من تأليف كتابه (النصوص في الآداب والأشعار والأخبار) باسم المنصور بن أبي عامر، دفعه لغلام له يحمله بين يديه. وعبر الغلام نهر قرطبة فزلقت قدمه وسقط في النهر هو والكتاب. فقال في ذلك ابن العريف متهكماً وكان بينه وبين أبي العلاء شحناء ومناظرات:

قد غاص في البحر كتاب الفصوص

وهكذا كل ثقيل يغوص

فضحك المنصور والحاضرون فلم يرع ذلك صاعداً، وإنما قال على البديهة مجيباً لابن العريف:

عاد إلى معدنه إنما

توجد في قعر البحار الفصوص

كثرت نوادر العرب حول الوراقة، أي الكتابة والنسخ وحول الخط. فقال أبو محمد عبدالله بن محمد البكري الأندلسي يصف الوراقة بقوله:

أما الوراقة فهي أنكد حرفة

أوراقها وثـــــــــمارها الحرمان

شبهت صاحبها بصاحب إبرة

تكسو العراة وجسمها عريان

ومن بديع ما وصف به الوراقة وتذمر أصحابها من هذه المهنة ما أخبر به أبو هفَان قال: سألت وراقاً عن حاله فقال: عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج، وحظي أخف من شق القلم، ويدي أضعف من قصبه، وطعامي أمر من العفص - وهي عشبة تستخدم لتنعيم الشعر - وشرابي أسود من الحبر، وسوء الحال ألزم لي من الصمغ. 

وفي مجال الخط، وصف أحمد بن صالح جارية كاتبة وقارن جمالها بجمال خطها والأدوات التي كانت تستخدم في الكتابة فقال: كأن خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن قرطاسها سهام أديم وجهها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن بيانها سحر مقلتها، وكأن سكينها سيف لحظها، وكأن مقطها قلب عاشقها. وفي هذا المعنى قال القصار شعراً يصف جارية كاتبة اسمها علم:

أفدي البنان وحسن الخط من علم

إذا تقمصن بالحنا والكتم

حتى إذا قابلت قرطاسها يدهـــــا

ترى ثلاثة أقلام على قلــــم

وقال شاعر يهجو أحد الكتاب:

حمار في الكتابة يدعيهـــــا

كدعوى آل حرب في زياد

فدع عنك الكتابة لست منها

ولو غرقت ثيابك في المــداد

ويجد الباحث في بطون كتب التراث القديمة اختلاف وجهات النظر بين الشعراء حول أفضلية العلم وأفضلية القوة، حيث يشار بالقلم إلى العلم وبالسيف إلى القوة.

قال ابن الرومي وهو يفضل القلم على السيف:

إن يخدم القلم السيف الذي خضعت

له الرقاب ودانت خوفه الأمــم

فالموت والموت شيء لا يقابلــــــــــه

لا زال يتبع ما يجري به القلـم

كذا قضى الله للأقلام مذ بريت

إن السيوف لها مذ أرهفت خدم

وقال أبو تمام في تفضيله السيف على الكتاب

السيف أصدق أنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعـب

وقال المتنبي في تفضيله السيف على القلم:

حتى رجعت وأقلامي قوائل لــي

المجد للسيف ليس المجد للقــلم

اكتب بنا أبداً بعد الكتابة به

فإنما نحن للأسياف كالخـــدم

وقد وجدت أن ما قاله أبو الفتح البستي بالتفاخر بالقلم، أي العلم هو الأقوى:

إذا افتخر الأبطال يوماً بسيفهــــــم

وعدوه مما يكسب المجد والكرم

كفى قلم الكتاب فضلاً وسؤدداً

مدى الدهر إن الله أقسم بالقـــلـــــم

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها