النسخة الورقية
العدد 11174 الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 الموافق 15 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:32AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

بكائيات فيها نظر...

رابط مختصر
العدد 11035 الأربعاء 26 يونيو 2019 الموافق 23 شوال 1440

كواحد ممن يؤمنون بالحكم المدني في المجتمعات الإنسانية، أينما كانت، فإن موقفي من جماعة الإخوان المسلمين ومن لف لفهم من كافة أحزاب الإسلام السياسي واضح وصريح، وهو أنني أقف مساندا لكل القوى السياسية والدول التي عدّت الإخوان المسلمين جماعة متطرفة إرهابية محظورة في بلدانها، إلا أنني رغم ذلك توقفت أمام وفاة الرئيس الإخواني محمد مرسي العياط، متأملا في عجب شديد ما بثته القنوات الإخوانية كجزيرة قطر مثلا من بكائيات ظاهر فيها عمق الولاء لتنظيم الإخوان الإرهابي، وبدا فيها سوء ادعاء الحزن واللوعة على وفاة الرئيس الإخوانجي المخلوع، باختصار شديد وجدت نفسي مرغما على معاينة لواعج الحزن تنسكب على الخدود في فراق هذا الرجل دموعا، ومدفوعا إلى تأمل خلفيات هذا الحزن السياسي! واضطررت - طلبًا لبناء موقف عقلاني رصين - أن أقرأ بتمعن وتدبر كل ما كتب حول شخصية الرئيس الإخواني المخلوع في وسائل التواصل الاجتماعي التي تميزت بحضور لافت لجماعة الإسلام السياسي على مختلف مشاربها؛ إذ وجدت الجماعة في موت الرجل فرصة لتسجيل حضورها أملا في استدرار شيء من مشاعر التعاطف عبر العزف على مقام المظلومية، وطمعا في تحريك الشارع العربي الذي وصل إلى قناعة نهائية بحتمية انتفاء الحاجة إلى مثل هذه الأحزاب ثيوقراطية الهوى لإدارة بلدانها. 

 توقفت ليس لأذرف الدمع مدرارًا، بطبيعة الحال، كما فعل الإخوان المسلمون والإعلام القطري والتركي الموهومون بقدرتهم على تجييش الشارع المصري، وتجميع ما تبقى من عناصر الخراب في «الربيع العربي» لخلق فعل مقاومة محتمل، وليس لأتشمت كذلك، كما فعل آخرون، ممن يستهويهم الخلاص من الخصوم بالموت الرباني أو الشيطاني الذي يسعى إليه المجرمون من خلال الاغتيالات. ما استوقفني هو ذلك النواح غير المبالغ فيه الذي حملته المسجلات المتداولة التي تشي بشيء غير مقبول تجاه الدولة والشعب المصرييَن.

 ما من شك في أن محمد مرسي العياط جاء إلى الحكم رئيسًا على مصر بطريق الانتخابات، أي بالطريقة الديمقراطية وكل ما قيل وكُتب في هذا الخصوص منذ ساعة وفاته هو صحيح ولا يقبل الشك، لكن هذا لا يعني بأي حال أنه وحزبه كانا ديمقراطيين، وأن الظروف التي جرت فيها الانتخابات أيامها كانت مثالية ومهيأة لتنافس شريف. ففي لحظة زمنية فارقة ظهر الإخوان فجأة واستغلوا تشرذم القوى العلمانية والليبرالية وضعف الدولة آنذاك ليظهروا سطوتهم ويسجلوا بالآلة الإعلامية القذرة حضورهم الطاغي في المشهد الثوري في ميدان التحرير بمصر، ولهذا صعدوا على صهوة اللحظة التي تكالبت فيها جماعات الإسلام السياسي على الفتك بالدولة الوطنية محمولين بوعود قوى كبرى مخدوعة بمقولة تعمل حتى اليوم في المزاج الأمريكي والغربي، وهي أن «الاستقرار والأمن لن يسود في المنطقة العربية إلا على أيدي جماعات الإسلام السياسي». لا شك أن الإخوان المسلمين جماعة منظمة وتملك من المال ثروات ومدخرات تفوق ما تمتلكه دول بسبب الفترة الذهبية التي كان فيها الإخوان يسرحون ويمرحون في الدول العربية، وخصوصا في الدول الخليجية، باعتبارها الدول الرافدة للجماعة بالمال. هذا الواقع أتاح لها التفرد بالساحة المصرية في تلك الفترة تحديدا.

 في ضوء ما تقدم نطرح السؤال الآتي: «هل يستحق المتوفي محمد مرسي العياط، سياسيا، كل هذا الحزن الذي كان في جُله مصطنعا ودوافعه سياسية بحتة؟» هذا السؤال يأخذنا إلى فترة حكمه لجمهورية مصر العربية، المحدودة بذاك بالزمن القلق. فماذا عرفت مصر في حكم مرسي الإخوان وقتها؟ الكل يعلم وقتها أن الحاكم الفعلي لمصر كان مرشد الإخوان، وأن العياط لم يكن سوى دمية يحركها المرشد كيفما شاء، وجميع العقلاء يذكرون أن اسم مرسي لم يظهر مرشحا للإخوان في الرئاسة إلا بعد استحالة ترشيح خيرت الشاطر لموانع قانونية، والجميع يذكر ما عاناه الأقباط أيام حكم مرسي من سحل وعنف وترهيب وما عانته هياكل الإدارة المصرية من أخونة وتجاوزات عجلت برحيل مرسي ونظام الإخوان بعد هبة 30 يونيو الشعبية العارمة.

 ما من أحد إلا ويذكر الارتكابات الجرمية التي أتاها الإخوان المسلمون بعد «ثورة» 30 يونيو، ضد الجماهير عامة وكل القوى السايسية التي شاركت في ثورة يناير 2011 لإسقاط حسني مبارك، ما أتاه الإخوان وضعهم على محك استحالة إمكانية عودتهم إلى الحكم سواء أكانوا وحدهم أم متحالفين مع الغير. كل الممارسات الإرهابية التي مورست على الملإ في ميدان «رابعة»، وما اتخذه قادة الإخوان فيها من قرارات يُرهبون بها المجتمع المصري، ولتصفية المعارضين لهم، ستظل وصمة عار في جبين الجماعة تدلل على أنهم أكثر الجماعات بعدا عن الديمقراطية. ولا ينبغي لأحد أن ينسى أو يتناسى أن الرئيس السابق محمد مرسي العياط الذي انتقل إلى رحمة الله في ساحة القضاء المصري وهو ماثل بين يدي القضاء المصري بتهم شتى ومنها التخابر لصالح دولة أجنبية، قد مارس دكتاتورية ظاهرة في فترة حكمه المحدودة تُعظم من مكانته كرئيس على حساب استقلال السلطات الدستورية، فأصدر مراسيم جمهورية منح بها نفسه سلطات واسعة، ومنها المرسوم بقانون يتيح لكل القرارات التي اتخذها منذ توليه الرئاسة «في يونيو 2012 إلى حين وضع دستور جديد لا يمكن الطعن فيها في المحاكم أو بأي سلطة أخرى في إجراء يضعه فوق أي رقابة من أي نوع». سؤالان إنكاريان أخيران أسوقهما هنا محملين برغبة شخصية أرى فيها مصلحة الأمة: ألا تقضي مصلحة الشعب العربي المصري، ومصلحة العرب أجمعين، أن تكف وسائل الإعلام عن الحديث عن ديمقراطية يفتقدها الإخوان أنفسهم؟ أوليس من الأنفع لنا جميعا وللمصريين أن نبحث عن مزيد الدعم للنظام المصري الذي يرجع له الفضل في القضاء على سرطان حكم الإخوان المسلمين، أعداء الديمقراطية؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها