النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

خرائط الفوضى وطرائق النجاة المعلقة:

التحول الديمقراطي في ظل الدولة العميقة

رابط مختصر
العدد 11035 الأربعاء 26 يونيو 2019 الموافق 23 شوال 1440

قال الصديق:

من الواضح من خلال التجارب المستجدة في بعض البلدان العربية أنه بالإمكان إحداث تغيير سياسي في مستوى قمة هرم السلطة، والدليل على ذلك ما حدث في الجزائر وفي السودان، حيث تمت إزاحة رأس السلطة في البلدين بطريقتين مختلفتين، ولكن المجتمع السياسي الذي قاد التحول ضد الرئيسين بقي غير قادر إلى هذه اللحظة على بلورة الانتقال السياسي الديمقراطي البديل.

قــــلت:

أرى أن ذلك أمرًا طبيعيًا، بل ومتوقعًا، وذلك لأسباب عديدة، من بينها على الأقل:

- الأول: أن قوى المجتمع السياسي في المرحلة السابقة لهذه التحولات لم تكن الأبواب أمامها مفتوحة بالشكل الذي يساعد على بلورة البدائل العملية لتتحول إلى قوة اقتراح إيجابية، كما أنه لم يسبق لها أن شاركت علميًا، إن بشكل مباشر أم غير مباشر في إدارة الحياة السياسية أو أجهزة الدولة. وهذا يعني أنها لا تمتلك من الخبرة ما يؤهلها بشكل مباشر وسريع لإدارة الشأن العام أو تسيير أجهزة الدولة. وذلك لأن حدود تحركها كانت مرسومة بشكل محدود وضيق.

- الثاني: القوة الهائلة لما يسمى بـ«الدولة العميقة»، وهي قوة ضخمة، لا يستهان بها، ولا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، حيث تبقى مؤثرة لفترة طويلة جدا وممتدة حتى بعد حدوث أي تغيير جزئي أو شامل في المنظومة السياسية أو في خارطة التفاعلات التي تؤثر على صناعة القرار السياسي والسيادي في أي دولة ما أيًا كان نوع نظامها الاقتصادي والسياسي. وهو القوة تظل فاعلة حتى في حالات حدوث تغيير أو انتقال للسلطة، حيث لا يتوقف الصراع بمجرد حدوث هذا الانتقال. ولدينا في الحالات التي وقعت في أكثر من بلد عربي خلال السنوات الماضية أمثلة حية على ذلك.

- الثالث: أن التيارات السياسية الأيديولوجية العربية، تعيش مأزقًا حقيقيًا على صعيد بنيتها الداخلية وعلى صعيد خطابها السياسي في ذات الوقت، حيث لم تشهد تطورًا عميقًا يتواكب مع التحولات على الأصعدة الوطنية كما على الصعيد العالمي، مما جعلها غير قادرة على التأقلم مع الواقع الجديد، وهذا عنصر إضافي من العناصر المتسببة في العجز والقصور، حيث لم تعد التيارات السياسية تستشعر أي ضرورة كبيرة وعاجلة لتطوير نفسها واليات عملها ومراجعة أطروحاتها القديمة المتكلسة. بالرغم من أن الفرصة كانت مواتية لها في بعض الأحيان للدفع بالأمور إلى مناخات أكثر إيجابية، وكان بإمكانها أن تكون قوة اقتراح وتطوير في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من داخل حضورها في البرلمانات أو حتى من خارجها، من أجل اجتراح حلول للالتقاء في منطقة توافق ممكنة. 

 قال الصديق:

إذا كان العاملان الأول والثاني واضحين، ولا خلاف عليهما تقريبًا، فإن العامل الثاني يحتاج إلى توضيح معنى «الدولة العميقة» الذي كثيرًا ما تردد في منطقتنا العربية، خاصة بعد «أحداث الربيع العربي» والتحولات التي شهدتها بعض البلدان العربية، حيث لعبت (الدولة العميقة) بكافة مكوناتها الاجتماعية والثقافية والادارية والأمنية والقانونية والاعلامية دورًا مهمًا في مجريات الأحداث، والتي عملت جميعها للحفاظ على الاستقرار ورفض النزعات المغامرة، خوفًا من الوقوع في المجهول والحفاظ على المصالح القائمة، في مواجهة التيارات الجذرية التي تطالب بتغيير كل شيء والتخلص من كل شيء تقريبًا. وقد شهدنا خلال السنوات الماضية منذ 2011م في العالم العربي مثل تلك الدعوات الجذرية الراديكالية التي تدعو الى إسقاط كل شيء، بما في ذلك الدولة نفسها. ولعل هذا ما يفسر فشل هذه القوى في إحداث التغيير التي تريده بالصورة التي تريدها، وهذا يفسر أيضا أن التغيير الذي حصل في بعض البلدان العربية لم ينجح في إحداث التغيير المنشود. ولذلك قد تكون المهمة الضرورية في المرحلة المقبلة هي العمل على إعادة تأهيل المجتمع السياسي العربي من خلال الفكر والثقافة والقانون وفتح باب الحرية أمام العمل السياسي المنظم والقانوني، مما سيدفع تدريجيا بوجوه متنورة جديدة ذات توجهات عقلانية لتتصدر المشهد السياسي العربي ويكون بإمكانها التقدم نحو تحقيق الديمقراطية. وذلك لأن التغيير الديمقراطي بالأساس، صيرورة تاريخية ممتدة تستمر عدة عقود وأكثر وليست تحولاً فجائيًا. ولن يتم ذلك إلا بعد تحقق عدد من الأسس، والتي لا تقوم الديمقراطية من دونها، مثل علوية الحرية وعلوية القانون والقبول بالآخر والتعايش، وإقامة دولة مدنية علمانية تمثل جميع أفراد المجتمع باعتبارهم متساويين أمام القانون، والأخذ بأسس الحداثة التي من غير الممكن أن تتحقق من دون إصلاح ديني، ومن دون فصل الدين عن السياسة من أجل أن تكون الدولة ممثلة لجميع المواطنين، بغض النظر عن أصولهم العرقية والعقائدية والمناطقية للمواطنين.

 قـــــلت: 

قد تكون الصورة النظرية على هذا النحو متناسقة في شكلها الخارجي، ولكنها تظل مجرد صورة غير مكتملة، لأننا اليوم لا نعيش في عالم من فراغ أو في طريق مفتوح. فعلينا أن نستذكر أن أمامنا عالم ضاغط ونحن في ملعبه نبدو من دون مشروع، ولذلك أصبح جزءًا من المعادلة الداخلية. خاصة في ظل إخفاق المشروع النهضوي العربي، وتضعضع بنيان الدول الوطنية العربية، بالتزامن مع مرحلة تحول النظام العالمي الى الليبرالية المتوحشة، حيث اتخذت العلاقة بين طرفي المعادلة أبعادًا جديدة، بعد أن أصبحنا لا نمتلك أي مشروع يمكن أن نتحصن به، ولم يعد للدولة الوطنية أي مناعة أمام التوحش العالمي الضاغط. فتمكن الخارج من سرقة الداخل، مرة باسم الديمقراطية وحرية مرور المصالح والمنافع، ومرة باسم محاربة الإرهاب، ومرة باسم الدين والطوائف، فأصبح الداخل مخترقًا، ولذلك يجب السعي إلى تأمين وحدة الداخل وتفكيك الاشتباكات، وحل المشكلات المتراكمة، ببناء وتعزيز الشراكة الوطنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها