النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

أذربيجان وتجربة التسامح والتعايش..!

رابط مختصر
العدد 11034 الثلاثاء 25 يونيو 2019 الموافق 22 شوال 1440

جميل أن نفتح أعيننا لأي تجربة في التسامح والتعايش الديني والمذهبي، ومن المهم في ظل الظروف والأوضاع الراهنة أن نسبر أغوار أي تجربة ناجحة في هذا المجال استطاعت أن تحقق سلاماً مجتمعياً حقيقياً، وملموساً على أرض الواقع، سلام الكل بات أحوج ما يكون إليه. في أذربيجان وجدنا تجربة يحتذى بها، هناك حالة فريدة من التسامح والتعايش بين كل أطياف الشعب الأذري، وفي كافة التعاملات والمعاملات الرسمية والشعبية.

ليس مهماً أن نستعيد ما مرّت بها هذه الدولة التي تقع بين أوروبا وآسيا، وكيف مرت بمرحلة حاسمة من التحول السياسي والديني والثقافي والاقتصادي، وتبيان مدى أهميتها الاستراتيجية في القوقاز، بل يهمنا في المقام الأول التجربة المتقدمة الراهنة لهذه الدولة في التسامح الفعلي والملموس على أرض الواقع.

هناك لم يعطوا فرصة لمن يلعب على أوتار التفرقة بين المذاهب والأديان، والمواطنون على علم وإدراك بأن إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية تعني تربصاً بهم وبمستقبل أبنائهم، لم يقحموا الدين في كل شيء، ترفعوا عن فعل ذلك، ولم يعطوا الفرصة لأشباه أو أنصاف الفقهاء الذين ازدحمت بهم ساحات دول عربية وإسلامية يفتون على هواهم وتبعاً للمصالح والأهداف، يحرّمون، ويجرمون، ويكفرون مع من لا يتفق معهم في فهمهم للدين، أعادوا الدين الى المنطقة الأخلاقية ذات الصلة بالمعاملة وحسن العبادة ورقي الخلق والسلوك، لم يستغلوا الدين في حياتهم اليومية، أو في قراراتهم الحياتية، وفي ألعابهم السياسية، الكل هناك ودون مواربة يعترفون بمدنية وعلمانية الدولة، والمادة 6 من دستور هذه الدوله ينص على ان اذربيجان دولة علمانية بينما تنص المادة 19 على فصل الدين عن الدولة ومساواه بين جميع الاديان امام القانون فضلاً عن الطابع العلماني للنظام التعليمي، ويؤكدون ذلك بأقوال وأفعال لا تعطي فرصة لمن يكيد بهم باسم الدين، ولا يسمحون لأحد بأن يستغلهم باسم الدين أو الطائفة أو المذهب، لذا ليس غريباً في أذربيجان أن تجد المساجد مفتوحة لكل المنتسبين إلى الإسلام، ليس هناك مساجد لهذه الطائفة، وأخرى لتلك الطائفة، المساجد هناك لأبناء الطائفتين الشيعية والسنية، الكل هناك يصلون معاً جنباً الى جنب دون تعقيدات وبشكل انسيابي يثير الإعجاب، وربما كان مفاجئاً لنا ما قاله لنا أحد المواطنين بأن خطباء الجمعة يتناوبون الخطابة، مرة خطيب من هذه الطائفة، وأخرى خطيب من تلك الطائفة، والكل لا يثير في هذه الخطب إلا ما يعمق حالة التعايش والتسامح، وليس ما ينكد على الناس عيشهم، أو يجعل بعضهم يخشى الآخر، والمرجعية الدينية مرجعية للكل تفتي للمسلمين من الطائفتين، كلٌ على مذهبه.. 

لم أفاجأ حين سألت مواطناً عن سر هذه الحالة الفريدة من التعايش والتسامح والتناغم بإجابته، «نحن نؤمن حقاً وفعلاً بالدولة المدنية، والدولة تترجم ذلك فى كل خطوة تخطوها، نرتب أولوياتنا على هذا الأساس»، مضيفاً القول: «كل شواهد وحوادث التاريخ تؤكد أن اللعب بورقة الدين يأتي بنتائج عكسية، فالدين مقدس ولابد أن يبقى بعيداً عن أحوال وأوحال السياسة، ونحن نؤمن بأن كل صراع ديني ينشأ بين العناصر الفسيفسائية المكونة للمجتمع أو طوائفه أو تياراته أو جماعاته ينخر في جسد الأمة، بل يمزق جسدها، ونحن نؤمن بذلك، والتاريخ يهمس في آذاننا الأذريين يسمعون ويقرؤون ويتعظون»، وآخر قال «لا نبحث عن تمايز يقدم بعضنا على بعض، ومن يختلف معي فكرياً ومذهبياً وعقائدياً لا نعتبره عدواً أو كافراً، بل نعتبر ذلك تبايناً في الرؤى والأفكار والمذاهب بين الشركاء في الوطن، وإنسانيتنا فوق أي انتماء يتعالى أو يتغالب على أي منا، لذلك كان اهتمامنا ألا نجعل بلدنا ساحة تناطح المعتقدات، ولم نسمح بأن يختزل الوطن في مجموعات لا تعبّر إلا عن نفسها، وإلا فنحن بذلك نرتكب آثامًا في حق الوطن».

المعنى في كل ذلك الكلام يستحق التأمل والتوقف عنده خاصة إذا أدركنا من واقع تجارب نعيشها حالياً في بعض دول منطقتنا العربية أن طريق التوافق والتعايش والتسامح ليس فقط يصعب على البعض لمشقته، ولكن لأنه حقيقة ضد مصلحة بعض الفاسدين والمفسدين، وجماعات المصالح والمنخرطين في لعبة الكراسي السياسية، وبعض القوى التي تحيا على الاستقطاب والاحتقان الدائم وتشطير المجتمعات، تلك القوى والأطراف تخشى المجتمع المتناغم، وتخشى التوافق بين مكونات المجتمع، والأسباب لا تخفى على ذوي الألباب الذين يمنحون العقل فرصة لأن يرى ويدقق وينخُلَ ويُصفيّ..!

هذا النموذج من التعايش بين مكونات المجتمع الأذري ليس وحده اللافت للنظر، إذ يضاف إلى ذلك التطور السريع في هذه البلاد الذي يدعو هو الآخر الى الإعجاب، فهذه الدولة التي استقلت عام 1991 بعد تفكك الاتحاد السوفيتي حققت تقدماً ملحوظاً على صعيد اقتصادها بفضل إصلاحات اقتصادية جدية قامت بها، وهو الأمر جعل البنك الدولي يعدّها من الدول العشر الأُول التي خطت خطوات واسعة في مجالات الإصلاح التنظيمي والإداري عموماً، قامت بذلك وحاربت الفساد والإفساد بمنتهى الجدية دون شعارات رنانة، وأقوال لا تترجم على أرض الواقع، ولم تجعل أحداً فوق الحساب إذا حاد أو أخطأ..!

على صعيد السياحة يمكن في هذا الشأن قول الكثير، وأحسب أن أذربيجان ستكون سوقاً سياحياً واعداً لكثير من البحرينيين والخليجيين والعرب ونقطة جذب سياحية جديدة ومغرية لهؤلاء خصوصاً بعد افتتاح رحلات مباشرة للخطوط الأذربيجانية من البحرين الى العاصمة باكو، والدعوة التي وجهت لنا مع مجموعة من الصحفيين والإعلاميين البحرينيين والسعوديين من جانب «بحرين هوليديز»، بمناسبة تدشين أول رحلة مباشرة من (البحرين الى باكو) كانت فرصة للوقوف على الكثير من المقومات والمميزات السياحية التي تزخر بها أذربيجان، بما فيها الأمن والأمان، والسياحة العلاجية ومنها العلاج بالنفط والملح، والمواقع السياحية والتسوق، وكان لافتاً الحضور البحريني والأعداد الكبيرة من السواح الخليجيين في العاصمة باكو، وأعتقد أن هذه الدولة مؤهلة لأن تكون في السنوات المقبلة في صدارة البلدان الجاذبة لهؤلاء السواح. وأحسب أن اهتمام وزارة السياحة الأذرية وفقاً لما صرح به لنا وكيل الوزارة بتعزيز ودعم استقطاب السياح الخليجيين عبر فتح مكتب للترويج السياحي في البحرين يخدم منطقة الخليج، أمر سيخدم ذلك التوجه.

باختصار، تجربة أذربيجان تستحق التأمل على كل الصُعد المذكورة، وأخشى أنه سيكون من باب التعسف وعدم الفهم تجاهل هذه التجربة وقيمتها، على الأقل علينا أن نبحث فيما إذا كان بمقدور هذه الدولة أن تحقق ما بلغته من تقدم لو كانت حالة التناغم والتعايش المشهودة بين كل مكونات المجتمع غائبة أو مغيبة..؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها