النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

تجديد لغة الخطاب الديني ضرورة..

رابط مختصر
العدد 11034 الثلاثاء 25 يونيو 2019 الموافق 22 شوال 1440

إن تجديد لغة الخطاب الديني الذي رسم استراتيجيته الشيخ خالد بن علي آل خليفة وزير العدل والشئون الإسلامية والأوقاف، بات اليوم أكثر من أي يوم مضى، ضرورة ملحّة، خاصة وأن بعضًا، بل كثيرًا من المنابر الدينية، استغلت هذا الخطاب لتغييب العقل وإقصاء الوعي وإثارة نعرات الفتنة والطائفية في المجتمع،

فمتى سيحتفي خطباء منابرنا في المساجد والمآتم بالعقل والوعي؟ متى ستتصل خطاباتهم بالواقع من منطلق تحليل عقلاني يدرك تفاصيل هذا الواقع وإشكالاته وأولويات العمل على تطوير آلياته الاجتماعية؟ متى ستظل هذه المنابر أسرى خطابات غالبًا ما تلامس العقل إلا من زاويته السطحية بل أنها أحيانًا تخشى حتى الاقتراب منه؟ أ ليس الإسلام مَن كرَّم العقل وجعله مناط التكليف عند الإنسان والذي به فضله الله على كثير ممن خلق؟ أ ليس الإسلام هو من كرم العقل حين وجهه إلى النظر والتفكير في النفس والكون والآفاق وتأملها؟ أليس العقل هو بوابة الحوار مع الآخر وإن اختلفنا أو اختلف معنا أشد الاختلاف؟ هل العقل لا تكون له قيمة وأهمية إلا حين ينحرف عن جادة العقل؟ هل العقل يكمن في التغرير بالشباب وبالناس كافة من أجل الفوضى وإشعال الفتن وتكريس الطأفنة؟ لماذا يتجنب أهل المنابر الخوض في العقل والحديث عن الفلسفة وعدم الإصغاء للرؤى المتعددة من مختلف المذاهب والمشارب والأديان والاتجاهات الفكرية؟

 أ لم يوجهنا الإسلام إلى احترام العقل واستقلالية الذات، وذلك بقوله عز وجل: «وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون». لماذا تجرَّد الخطب المنبرية في المساجد والمآتم من هذه المعاني العميقة للعقل والوعي؟ لماذا لا تتم فيها مناقشة القضايا التي تجري في العالم أو في واقعنا وبرؤية معاصرة وثاقبة تستوعب تغيرات العصر ومستجداته؟ ماذا تعني لدى هؤلاء الخطباء (أولو الألباب) التي قصرها الله سبحانه وتعالى على أصحاب العقول؟ وكم مرة وردت في القرآن الكريم؟ أ ليس ذلك تذكيرا بأهميتها ودورها في الحياة؟ أ لم يجعل الإسلام الدية كاملة في الاعتداء على العقل وتضييع منفعته؟ فكم عقلاً ضربناه بتقرير وإرهاب وتحريض دونما فطنة أو روية من أهل الخطبة في المنابر؟ مثل هؤلاء ألا يستحقون محاكمة على الإتيان بمثل هكذا أفعال؟

أعتقد أنه بات من الضرورة الوقوف مليًا عند من يستحق أن يعتلي هذا المنبر الذي اعتلاه أهل العقل والفطنة والفكر منذ عهد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ومن لا يستحق، وهذه مسؤولية تحملتها وزارة العدل والشؤون الإسلامية عبر تاكيدها على ضرورة رسم هذه الاستراتيجية في تجديد الخطاب الديني، إذ الكثير ممن (معذرة) قصر وعيهم يعتلون هذا المنبر ويهذون بكلام مردوده وعواقبه وخيمة ربما على المجتمع بأكمله، ذلك أن العقل هو راهن ومستقبل لأنه خلايا التفكير في الدماغ، فإن تلفت هذه الخلايا لدى بعض من يعتلون المنابر فتوقع ما لم يكن بالحسبان وقل على الدنيا السلام، خاصة إذا تركت الساحة في ايديهم والله من وراء القصد.

 

مساجد من مساجد!! 

كان المسجد في زمانينا الستيني والسبعيني ملتقى دينيا واجتماعيا جميلا وحميما وودودا وبريئا، لم يبزغ بعد فجر التطرف والترويع والإرهاب، الذي حول المساجد كلها تقريبا إلى منابر وبيئات لتفريخ وإنتاج المتطرفين والمتشددين والإرهابيين والكارهين الحب والسلام والأمن والوئام، كنا نلتقي فيه صغارا وقلوبنا تتوجه نحو باعث النور والصفاء في هذا الكون، كان الأكبر سنا إذا مر علينا ونحن نداعب بعضنا ببريء الكلام جلوسا لا يجبرنا على دخول المسجد، ولا ينفرنا منه بغليظ القول أو الزجر أو الأمر، كان يدعنا ويمضي إلى صلاته وعبادته، فإن رغبنا تبعناه إلى حيث أداء الفريضة، وإن لم نرغب لا يزجرنا أو ينظر إلينا شذرا بعد خروجه من المسجد، ولعلي أذكر بعض ما كان يقال لنا من بعضهم وبحنو شديد: الله يهديكم يا عيال، أو يسألنا عن أحوال الأهل والدراسة، ومن ثم يبتسم ويمضي.. 

أذكر أيضا في مسجد الرفاع الشرقي المجاور لمنزلنا بشارع الشيخ علي بن خليفة بعض المناسبات اللطيفة التي تقام فيه، أذكر بالتحديد الجارين الغاليين الراحلين علي بن عريك وصالح بن علي بصحبة زوجته أم علي، حيث كانوا يوزعون الحلوى في المسجد ويعطرونك بماء الورد وبالعود والبخور في ثواب آبائهم وبعض ذويهم ممن رحل، كان يحدث مثل ذلك كل شهر تقريبا ولا أبالغ.. أذكر أيضا الصوت الروحاني المميز لمؤذن المسجد الراحل أحمد حمود الذي كان يجمع رجال وشباب الحي غالبا في دكانه البسيط للعب الورق والكيرم ولتنفيذ بعض المقالب الطريفة خاصة في رمضان، حيث كان يرمي بمحفظة محشوة بالقراطيس معقودة بخيط خفيف ودقيق في الشارع لاختبار فضول (الخضارين) خاصة الذين يأتوننا من قرية عالي والنويدرات، وكم أعاق فضولهم برؤيتهم للمحفظة طوابير الحمير التي تتجه مسرعة خلف من استوقفتهم المحفظة، و(هات يا ضحك)، لم ينزعج منهم أحد وكانوا عندما يعرفون المقلب يضحكون هم أيضا ويواصلون رحلتهم نحو قراهم.. كان الراحل أحمد حمود يتولى مهمة الأذان إذا تعذر حضور المؤذن الرئيسي للمسجد وهو أول مؤذن له المرحوم خليفة البوسميط صاحب الصوت الجهوري والقامة النخلية الباسقة المميزة في الرفاع، كان صوته يسمعه حتى من كان يسكن في أقاصي الرفاع، وعندما ينتهي من كل صلاة يدعو معارفه من رجال الرفاع إلى تناول تمرة من التمور التي كان يجلبها من الإحساء.. 

أذكر أيضا إمام المسجد الشيخ الوقور رحمه الله وأسكنه فسيح جناته الحاج حسن البوعينين صاحب الابتسامة المشرقة والصوت الدافئ الرخيم المميز الذي يتلو سور القرآن الكريم وبعض آياته فيدعوك إلى تأملها، أذكر حنوه الفائق الذي يدعوك إلى الصلاة دون أن يقول.. أذكر أيضا بعض المقالب الطفلية التي كانت تحدث في المسجد وقت الصلاة خاصة إذا توفرت بعض النماذج الغريبة الأطوار والأشكال والمزاج وكيف كان بعضهم يومئ بيده بقوة لينهى طفلا منا عن هذه الفعلة المقلبية وأحيانا يضطر لضربه أو رفع صوته عليه، وبعدها نتذكر هذه المقالب فينتابنا ضحك شديد، وكثيرا ما فضحنا هذا الضحك أثناء الصلاة ونحن نختلس النظر إلى صاحب المقلب وردود فعل من تورط بهذا المقلب.. 

أذكر أيضا خطيب الجمعة في مسجد الرفاع، وهو الراحل الشيخ سند البنكي الذي كان بالرغم من قصر قامته نسبيا إلا أنه يبدو طويلا وعملاقا عندما يعتلي المنبر ويقرأ خطبته المليئة بالنصح والوعظ والدعوة إلى التواصل الاجتماعي بين أبناء المجتمع، لم يكن متشددا في خطبته ولم يستغل المنبر لشحن أهل المسجد والمدينة ضد بعضهم البعض، كانت له هيبته الدينية والاجتماعية وكانت الرفاع بأهلها تقصد هذا اليوم من أجل الاستماع إلى خطبته.. 

هذه المساجد كرست في نفوسنا قيم التواصل والحب والإخاء والاعتدال وتقبل الآخر مهما كانت عقيدته أو مذهبه أو توجهه الفكري، ولم تعزلنا عن المجتمع أو تثير في الآخر نعرة الانتقام ممن نختلف أو يختلفون معه في الفكر والملة والدين..

 أين المساجد اليوم من تلك المساجد ذات الأبواب المفتوحة والقلوب الرحيمة والرؤوفة؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها