النسخة الورقية
العدد 11061 الإثنين 22 يوليو 2019 الموافق 19 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:28AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

إشكالية الأقليات والتعدد الإثني!

رابط مختصر
العدد 11031 السبت 22 يونيو 2019 الموافق 19 شوال 1440

في كتابه «أسئلة الحداثة في الفكر العربي من إدراك الفارق إلى وعي الذات» ناقش الدكتور كمال عبداللطيف قضية الاقليات والتعدد الإثني مؤكداً ان هذه القضية لا تزال تثير داخل المجتمعات البشرية كثيراً من المشاكل السياسية والثقافية.

واذا كنا كما ورد في تصوره نسلم تاريخياً بتعدد واختلاط الاجناس والاعراق في التاريخ، بحكم عوامل الصهر والدمج، وبحكم الحروب والكوارث الطبيعية والادوار التي تمارسها الهجرات الارادية والقسرية في اعادة البشر في الامكنة، فإنه ينبغي ان نعترف ايضاً بأن الدور الذي تلعبه النعرات القومية واشجار النسب واساطيره، والعصبيات القبلية القائمة والمتصورة في أوضاع الانسان الراهنة، تدل على أهمية هذا العامل في تجييش الوجدان البشري، وتعبئته لخوض معارك محددة. ومعنى هذا ان قيم المواطنة والعمل والانتاج وتنظيم المدن وبناء معايير الانتاجية والمردودية، لم تخلّص البشر بعد من الآثار النفسية والاجتماعية التي يمنحها الإحساس بالأواصر المستندة إلى قيم النسب والدم واساطير الاصول الموحدة والنقية.

وهنا يتحدث عبداللطيف عن التوظيف السياسي لموضوع الاثنيات في العالم المعاصر، والذي قد يبرز على سطح المجتمع في حقبة تاريخية محددة، اي ليبرز شعار اثني بهدف تعزيز دوائر حضور فئات اجتماعية في فضاء الصراع السياسي داخل مجتمع معين، الأمر الذي يكشف اولاً وقبل كل شيء درجة النقص القائم في مجال التحديث السياسي والممارسة الديمقراطية، ومن هنا تأتي اهمية صيغ التوافق التي تمنح المحتجين والملوحين بشعار يعود إلى لغة العرق فرصاً من التكافؤ السياسي والاجتماعي والثقافي، وذلك بإشراكهم، على سبيل المثال في تدابير جوانب من الشأن العام، وتحقيق مطالبهم في مجال الاعتراف بلغاتهم وثقافاتهم المحلية وطقوسهم الرمزية.

وفي تقديره اتخذ موضوع الاقليات في العقود الاخيرة من القرن الماضي صيغاً جديدة، ذلك أنه إضافة إلى طابعه النفسي والاسطوري، وتوظيفاته السياسية المتعددة، يطرح اسئلة عديدة تفترض ان التفكير فيها يساعد على امكانية التخلص من النتائج والآثار السلبية التي يمكن ان تترتب عليه في مجالات الصراع المجتمعي، وفي تطور بنيات انظمة الدولة والمجتمع.

ويفسر ذلك بأنه لا جدال في الدور الذي لعبته الظاهرة الاستعمارية في استخدام ذلك، من بينها بعض انواع الروابط التي اقامتها الدول الاستعمارية مع بعض رموز هذه الاقليات؛ بهدف تسهيل مهمة امكانية التوظيف والتسخير في ظروف محددة محتملة الحصول، ويشير هنا على سبيل المثال إلى اوضاع الاقباط والامازيغ والطوائف اللبنانية والاتراك وقبائل جنوب السودان، ويعتقد ان كل واحد من هذه الاسماء يشير إلى قضايا ثقافية وسياسية ونفسية وتاريخية لا حصر لها.

ومع ذلك يجب الا نذهب بعيداً في هذا المجال، بحكم ان دروس التاريخ فيه ما يغنينا عن كثير من اشباه المشكلات أو المشكلات العارضة التي يمكن ان تطرح في ظرفيات محددة، فمن المؤكد تاريخياً ان أدوار المجتمعات البشرية والدور الهام الذي لعبته الدولة الوطنية، الدولة الامة في صهر الاثنيات والاعراق، وذلك ببناء وتركيب فضاءات سياسية مشتركة، قد اوقف مسلسل العودة إلى التشبث بالاصول، ومبدأ تركيب الاصول المفترضة.

وفي رأيه لقد عوض التعاقد الارادي العقلاني او الاختيار التعاقدي عملية الاستنجاد بالاصول العرقية، فلم تعد آلية الانتماء الدموي الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأهداف والمصالح التاريخية الامنية، بل اصبح التعاقد الارادي التاريخي من افضل السبل المساعدة على بناء تاريخ مشترك، وقد كشف هذا الاختيار الذي بلغته المجتمعات البشرية بعد تاريخ طويل من الصراع القبلي، كشف عن كثير من الحس النقدي والتاريخي، ساهم في حل كثير من اشكاليات المجتمعات في التاريخ، ويقول بوضوح.. ما عزز هذا المنحى هو الفلسفات السياسية الحديثة التي ساهمت في تركيب مفاهيم وتيارات فكرية مستوعبة لجوانب عديدة من اشكالاته، وهو الأمر الذي حقق طفرة نوعية في تطور المجتمعات البشرية، لقد عملت مفاهيم العقل والارادة والوعي التاريخي على منح الانسان امتياز حرية الاختيار كما ساهمت مفاهيم التسامح والتعاقد والامن في تركيب تصورات فلسفية ساهمت في تخليص الانسانية من الصور المشخَّصة في الاصول الدموية ووحدة الاعراق وشجرة النسب، وما يترتب على ذلك من عصبيات وقد لا نجازف - على حد قوله - عندما نعتبر انها كشفت بلغت التاريخ، الطابع الاسطوري لنقاء الاصول وصفائها المتوهَّمين، حيث يظهر البحث التاريخي والتشخيص الانتربولوجي في كثير من المجتمعات عدم وجود اصول غير مخترقة ولا مختلطة، فالاصول البشرية النقية واشجار النسب، عبارة عن صور موضوعة وضعاً، بهدف ارضاء نزوعات نفسية او مواقف سياسية، ومن هنا اهمية الاستفادة من عبر ودروس التاريخ في موضوع النظر إلى بنية المجتمعات وتطورها، وكيفيات حصول صيروراتها المعقدة في دوائر الازمنة والامكنة في التاريخ.

ويعتبر المشروع السياسي الحداثي بمختلف القيم النسبية التي بلورها، وما فتئ يبلورها، في هذا المجال، يمكن ان يساعدنا في تفكيك كثير من مسلمات العقائد الاثنية وقد يسعفنا ببناء المشترك الانساني داخل المجتمعات، لهذا نتصور ان الاصلاح السياسي يشكل المدخل الاكثر اجرائية لابعاد امكانية الاستنجاد بلغة الاصول النقية والاعراق غير المختلطة ويعني بالاصلاح السياسي اننا امام عناصر تؤكد حاجتنا الفعلية إلى الحداثة السياسية، وإلى التدبير التعاقدي الديمقراطي للسلطة، وإلى فصل السلطات وتأطير الفعل السياسي بما يخدم مصالح الافراد والجماعات داخل المجتمع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها