النسخة الورقية
العدد 11116 الأحد 15 سبتمبر 2019 الموافق 16 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

الحرام الوضعي

رابط مختصر
العدد 11030 الجمعة 21 يونيو 2019 الموافق 18 شوال 1440

العيب في حدوده الاجتماعية هو كل ما يتناقض بشكل صارخ مع القيم والعادات والتقاليد الاجتماعية المرعية، وهو بمعنى آخر: الحرام الوضعي! وينبغي علي هنا أن أوضح الآتي: المجتمعات الإنسانية عملت دائما وأبدا على تسييج قيم بيئاتها وعاداتها وتقاليدها بهالة من الاحترام تصل في بعض الأحيان إلى حدود التقديس. فمن أجل سلامة المجتمعات انبرت أجهزة الدول في هذه المجتمعات، وتطوعت نخب اجتماعية لترشد بالثواب أحيانا وبالعقاب أحيانا أخرى، وتدافع بالترغيب مرة وبالترهيب أيضا عن سلامة مجتمعاتها من مظاهر الفساد الأخلاقي والسلوكي، ولذلك درج كل مجتمع من هذه المجتمعات الإنسانية على وضع مجموعة من السلوكات التي ينتج عن الإتيان بها إضعاف للمجتمع.

 في إطار هذا المعنى وددت أن أتحدث في هذا المقال عن فعلين اجتماعيين يمكننا وصفهما بالفعلين المعيبين، استللتهما من صميم الممارسات اليومية مثالا لما نعايشه في مجتمعنا البحريني، ورأيت أن أطرحهما هنا لأشارك القراء الأفكار وتبادل الرأي، لأنني أتصور أن درجة العيب في إتيان مثل هذين الفعلين تصل إلى مستوى الحرام، والسكوت عن المجاهرة بإتيان مثل هذا العيب أو ذاك يشكل أحيانا استباحة لسلامة أفراد المجتمع وأحيانا لكرامتهم.

 العيب الأول هو ذاك الذي له علاقة بسلوك فردي صار أقرب إلى الظاهرة التي يراها كل منا منتشرة عند من يسوقون سياراتهم في شوارع البحرين الداخلية والخارجية، إذ أن كثيرا من هؤلاء المواطنين لا يكفون عن استخدام أجهزة هواتفهم الذكية، ليس في التحدث فحسب، وإنما في التنقل، من «الواتسآب» إلى الـ«سناب شات» ومنه إلى «الانستغرام» أو غيرها مما تتيحه هذه الأجهزة، ومشاهدة الفيديوات بأريحية وكأنهم مستلقون على أسرتهم غير عابئين بما سيتسببون به لأنفسهم وللغير من أضرار محتملة. 

 هذا مشهد صار سائدا لمن يطلق بصره متنقلاً من سيارة إلى أخرى في شوارع البحرين، سيعتقد أن ليس ثمة قانون يحكم هذه الظاهرة الخطيرة على حياة الناس. والحقيقة أن قوانين إدارة المرور في هذا الجانب واضحة، وهي الغرامة وسحب رخصة القيادة، والسجن إذا استفحل أمر الحادث. لكن هل هذا الإجراء العقابي كاف للحد من الأخطار المحتملة؟! هل هي كافية للحد من مئات الحوادث التي تفتك بحياة الناس أو تحيلهم إلى فئة المقعدين في المجتمع؟! هل يلتفت المجتمع إلى هذا العيب الذي يمارس على نطاق واسع دون خشية، أليست تلك الأحداث المرورية التي كان التلفون الذكي سببا فيها كافية؟ إن استخدام التلفون في حالة سوق السيارات والمركبات يمثل شروعا في تهديد سلامة الآخرين، ولنا أن نكيف هذا الفعل المشين قانونيا ضمن دائرة الشروع في القتل بناء على آثاره الكارثية. العلاج الفعال المطلوب واضح وهو، في رأيي، مضاعفة الوعي لدى السائقين بخطورة ما ينجر عن انشغالهم بهواتهم في أثناء قيادة السيارات، بما يجعل من استخدام الهاتف وقت السياقة حراما شرعا وقانونا، هذا فضلا عن إجراءات ردعية تطال كل المذنبين. هذا هو المطلوب في رأيي من وزارة الداخلية بجهازيها المروري والأمني، لتحمي العباد والممتلكات من عبث من ظنوا أنهم من أمهر ما خلق الله من السائقين فأباحوا لأنفسهم ما لا يسمح به العقل والقانون والأعراف، ألم يقل أسلافنا في مثلهم: صاحب البالين كذاب، والمسؤولية نفسها ينبغي لوزارة الإعلام أن تتحملها بومضات توعوية مدروسة لها قوة الإقناع وقدرة حمل الناس على تعديل سلوكاتهم في الشارع، هذا دون أن ننسى دور القضاء الذي عليه يقع وزر إصدار عقوبات نموذجية تحمي المجتمع من عبث العابثين.   السلوك الآخر والذي عنَّ لي طرحه هنا هو ذاك المتصل بعلاقة الرجل بالمرأة، أيا كانت هذه المرأة بالنسبة إلى الرجل، أما كانت، أو زوجة، أو زميلة، أو أختا، أو مدبرة منزل... الخ، فإن كثيرًا من هؤلاء الذكور، ويسمون في المطلق رجالا يسيؤون التعامل مع المرأة إلى حدود التوحش. بعضهم يمارس سلطة لم يعطها له أحد، هو انتزعها انتزاعا مستفيدا بما يعطيه المجتمع من «حق» بصفته ذكرا ليس إلا ليفرض بها هيمنته على كل شيء يقع في محيط البيت الذي يضمه مع أهله. للمرأة حقوق أقرتها المواثيق الدولية والبحرين طرف فيها. هذا السلوك العنيف الذي يمارس ضد المرأة يشكل عيبا اجتماعيا عائقا لتطور المجتمع، ويخلق لدى كثير من النساء حالة انكسار اجتماعي تحتاج إلى تدخل فوري من جهات متخصصة لتعيد تأهيل المرأة لممارسة أنشطتها العادية في المجتمع، كما يحتاج الرجل إلى علاج نفسي، وثقافي يسهم في خلع فكرته البالية عن المرأة.

 استمعت إلى حديث مواطنة عن سلوك أحد أفراد أسرتها من الرجال مع أخواته. الحقيقة كان الحديث مؤلما حد الحزن، ولم أجد فيه إلا ما ينبه إلى ضرورة إيلاء هذه المسألة حظها من التوعية والتثقيف والردع، لأن في هذا السلوك المشين ما يناقض قيم مجتمعنا وأعرافنا وقوانيننا، ويسيء إلى إنسانيتنا، ليكون عملا مجرما بكل المقاييس، ففيه هدم متعمد لكيان بشري وإذلال له. لكن هل التعاطف وحده كاف للحد من هذا النزيف القيمي؟ أعتقد أن المجتمع المدني بكل تشكيلاته المهتمة بالأسرة والمرأة مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لإيجاد حلول جذرية لمشكلة العنف الأسري، لأنه من الآفات المؤذنة بتهلهل نسيج العلاقات الأسرية وتفككها تفككا لا متضرر منه إلا عموم المجتمع.

 تحدثت عن عيبين اجتماعيّين يجوز، بحسب تقديري، أن نسميهما فعلين محرمين، وفي الجعبة أكثر، ولعل هناك متسع في المستقبل لتناول أكثر من هذين الفعلين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها