النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

في ذكرى وفاته 13 يونيو 2008 سعد أردش..

منعطف الأسئلة في حياتي المسرحية..

رابط مختصر
العدد 11027 الثلاثاء 18 يونيو 2019 الموافق 15 شوال 1440

كثر هم الفنانون، ولكن العمالقة منهم نادرون كندرة العطر في الزهور، واحد من هؤلاء الفنانين العمالقة الذين غادرونا في الثالث عشر من يونيو 2008 الفنان الكبير والمعلم ورجل المسرح بحق، سعد أردش، ذلك الفنان الذي يصعب أن تجد له شبيها في ساحتنا المسرحية العربية، هو حالة من الفرادة في كل شيء، هكذا عرفته وأنا أتلقى أبجديات المسرح منه في المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت عام 1978 (سنة ثالثة)، وأنا مشارك في الندوات الفكرية بمهرجانات القاهرة الدولية للمسرح التجريبي منذ عام 1993، وأنا متفرج للعروض المسرحية في القاعة التي تضمنا للفرجة سويا، وأنا أتحاور معه حول بعض العروض أو القضايا المسرحية التي تشغلنا عندما نلتقي في مهرجانات وملتقيات مسرحية عربية وخليجية..

حالة من الفرادة لأنه الأستاذ الأول بالنسبة لي الذي خاطب دواخلنا بعقله لا بعواطفه، بتحليله للمنهج لا بسرده لمعطياته وركائزه، بطرحه وجهة نظر تقبل الجدل ولا تهدأ لا بتسليمه لكل ما يطرح، بإخضاعه الرؤية المسرحية الإخراجية لرؤى متعددة ولمقارنات رؤيوية أخرى تدفعنا للبحث في آفاق مسرحية أكثر اتساعا وأكثر شائكية، غالبا ما يلجم فينا الاندفاع العاطفي والإنفعالي حين يأخذنا الحماس نحو رؤية مسرحية معينة أو شخصية معينة في نص مسرحي معين أو منهج مسرحي معين لناقد أو تيار مسرحي معين، يلجمه بعقل بارد وهادئ تترجمه نبرة صوتية هادئة وحكيمة ومحايدة، هي بالأحرى مراوغة ذكية أخرى لإثارة حوار آخر يحتكم للعقل.

دائما يضع بيننا وبين ما يطرح مسافة يعتمل فيها الحوار والفكر، لم يقل لنا قط فكروا، ولكنه يدعونا للتفكير بخبث جميل، خاصة حين يسأل: ما الفرق بين مسرح التفسير والتغيير؟ ما الفرق بين بريخت وراسين؟ ما الفرق بين الأم في رواية مكسيم غوركي والأم شجاعة عند بريخت؟ متى يضطر الممثل إلى أن يكون داخل الشخصية دون أن يعلن ذلك ومتى يكون في عمقها وهو عارض لها فحسب؟ أسئلة تتوالد وتعتمل في الرأس وليست مشروطة بوريقات بحثية معدة يدفعها إلى أحضاننا أثناء أو بعد انتهاء المحاضرة لتكون زوادتنا في الإمتحانات النهائية، إنه يؤمن تمام الإيمان باجتهاد وعيك لما يتلقاه ويحاوره، لا يريدنا أشباها له، وحين يطرح أحدنا فكرة أو رأيا أو تصورا يقترب مما يفكر فيه، لا يأبه به كثيرا، وحين تطفر فكرة أو تصور أو رؤية من رأس أحدنا لم تطرأ على باله أو كان منشغلا أثناء أسئلته التي تدور حولها بحثا عنها، تلمع عيناه ويصمت قليلا ليعود ثانية لأسئلته: هل هذه الرؤية في وارد النص أم في حيز النقد أم في صميم الإخراج أم ذات علاقة بمناهج التمثيل؟ ومن خلال هذه الأسئلة يتعرف أستاذنا العملاق على ميول طلبته واتجاهاتهم الفنية والفكرية، فيرى فينا نحن طلبة النقد المخرج والمؤلف والناقد والممثل، وتشاء هذه التجربة أن ترشحني من قبله لأستاذين كبيرين وهما الدكتور أمين العيوطي والفنان سناء شافع لأكون أول تلميذ في المعهد العالي للفنون المسرحية يكلف بإعداد نص (مارا صاد) لبيتر فايس، والذي على ضوئه سيحتفل بتخريج دفعة جديدة من قسم التمثيل والإخراج بالمعهد، وهو نص مسرحي من العيار الثقيل ويقتضي جهدا غير عادي لقراءته وتحليله ومن ثم المجازفة والمغامرة لإعداده، وكانت التجربة التي لقيت حنوا وصرامة في آن من الأساتذة الثلاثة والذين تتلمذت على عقلهم في غرف المحاضرات وخارجها، كانت في حد ذاتها درسا صعبا في التأليف والإعداد والنقد، ولكن الحوار المختبري مع الأستاذ سناء شافع يسر المهمة أمامي وقربني من فكر النص قبل بنيته الفنية، وكانت المغامرة وكانت التجربة وكان تخريج الدفعة وكان لي الفخر بأن أكون أول طالب في المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت يقفز من عتبة السنة الثالثة إلى الرابعة ليكون أحد المساهمين في تخريج هذه الدفعة بإعداده لنص (مارا صاد) الذي ولجت من خلاله إلى أسئلة كثيرة ومعقدة وباحثة ومحيرة كان معلمي العملاق سعد أردش وراءها في كل لحظة أشتغل فيها على إعداد هذا النص..

ومن فضاء أسئلة المحاضرات إلى فضاء كتابه المهم جدا في حينها وربما إلى يومنا هذا (المخرج في المسرح المعاصر)، هذا الكتاب الذي هيأه ليضعنا على لجة المسرح الحديث والمعاصر، مسرح الأسئلة والفكر، مسرح التيارات المؤثرة في المسرح العالمي، مسرح صراع المناهج والرؤى والإتجاهات وجدلها الباحث عن موقع جديد في المسرح، كتاب فتح عيوننا وأذهاننا على طرق مشاكسة ومتمردة في الإخراج المسرحي، كتاب لم يحفل كثيرا بالتاريخ بقدر ما كان مشغولا بأسئلة المسرح المعاصرة..

الغريب في الأمر أن هذا الكتاب الذي أصدره أردش في فترة دراستنا بالمعهد لم يقره علينا كمنهج للدراسة، وكان يفضل التعامل معه كمادة إثرائية للإستزادة بتجارب المخرجين المعاصرين في العالم، كان يأتي إلينا وكما لو أنه بغير علاقة بما أصدر، يأتي إلينا ليصغي إلى رؤى أخرى تتصل بوعينا وبأسئلته، لأن ما أصدره هو في رأيه صار في عداد التاريخ الموثق للمخرج المعاصر، وهو معنا في الدرس يبحث عن أسئلة أخرى ربما تقوده وتقودنا إلى أسئلتنا التي لم نطرحها بعد أو رؤانا التي لم نكتشفها بعد، بعدها يغادر غرفة المحاضرة ليتركنا في حيرة من أمرنا، حيث لم ينه المحاضرة بتكليفنا بواجب استذكاري معين أو بإجابة تامة تنهي المحاضرة، يغادرنا ليعلق في رؤوسنا أسئلة تنتظر شحذها في محاضرة أخرى لا نعرف إن كانت ستتصل بالمحاضرة السابقة أم ستأخذ منحى آخر لا علاقة له بما سبقه، وكما لو أنه يدعوك لعدم تذكره حتى تنشغل بأسئلتك الخاصة بوعيك، إنه يمضي عكس اتجاه بعض الأساتذة المخرجين الذين درسوا لنا، حيث (الأكشن) الذي تمتزج فيه لغة الممثل بإيماءاته وأدائه بلغة المخرج الذي يوجهك وكما لو أنه على خشبة المسرح، يمضي وأنت تسأل: لماذا يختلف هذا المخرج عن من عرفناهم من المخرجين؟ هل هو مخرج مسرحي أم مفكر أم ناقد؟..

هو حالة من الفرادة لا يشبهه فيها أحد..

ففي عام 1993، تحديدا في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، هناك حيث كنت مشاركا لأول مرة في هذا المهرجان بورقة بحثية حول التجريب في مسرح التراث في الندوة الفكرية التي كان يديرها أستاذي سعد اردش، بمشاركة أساتذة ومخرجين ونقاد من مختلف العالم. كنت في بداية الأمر قلقا مضطربا يأكلني الهلع من رأسي حتى أخمص قدمي، ما الذي سوف أضيفه في هذه الورقة إلى ما سيطرحه كبار الأساتذة؟ كنت أزعم حينها أنني شاب يافع وكنت أصغر المشاركين وربما أقلهم خبرة وتجربة، ولكن عندما قرأت ورقتي وانتهيت منها وحانت ساعة مناقشتها، فوجئت بأستاذي الكبير سعد أردش وهو يرفع ورقتي بيده عاليا وهو يقول بفخر: «هذه هي الورقة الطليعية..

إنها الورقة الطليعية التي قدمت بين أوراق اليوم» وهي المرة الأولى التي أسمع فيها انطباعا مباشرا من أستاذي الذي علق أسئلتي ومضى عنها في غرف المحاضرات في المعهد خلال دراستي فيه، شعرت حينها ببعض الاطمئنان والهدوء النفسي، ومما زاد اطمئناني دعوته لي بهدوء شديد وبرفة من عينيه اليقظتين للصمت والإصغاء، ومرت الندوة في سلام، وبعد إن انتهت الندوة صافحني بحرارة وهو يقول لي بابتسامة مضيئة كعينيه: شكرا يا دكتور، ليحفز بكلمته هذه الأستاذ والكاتب الكبير سمير سرحان لأن يدعوني إلى بيت الفن في مساء نفس اليوم، بيته الخاص، والذي يحضره نخبة من الأساتذة والنقاد والفنانين..

شكرا يا دكتور وأنا خريج البكالوريوس (نقد وأدب)، ثناء خول مدير الندوة الفكرية في العام الذي تلاه لأن يضع اسمي على طاولة الندوة مرفقا بالدكتور يوسف الحمدان، الأمر الذي دعاني إلى أن استأذنه بشطب هذه الكلمة من على بطاقة التعريف مرجعا تلك الصفة إلى أستاذي سعد أردش الذي منحني إياها كشهادة فخرية منه، ذلك أنه في نظري أستاذ عملاق تخرج من تحت معطفه دكاترة وبروفيسورية كثر في المسرح العربي، فيكفيني فخرا أنني أحد تلامذته الذين نالوا (بركات) جهوده العظيمة في المسرح فحسب.. رحل الذي لم اشعر يوما أنه سيرحل، ذلك العملاق الذي لم تغادرنا أسئلته ولم ترحل إلا لتذهب إليه لتسأله لم أقلقتنا بالأسئلة ومضيت؟ هل تلك حالة من الفرادة فيك أيضا؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها