النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

ما بين الشافعي والحمداني: لا خيـر في خـلٍّ يخــون خليــلـه

رابط مختصر
العدد 11024 السبت 15 يونيو 2019 الموافق 12 شوال 1440

يحلو لي دائمًا أن أبتعد عن السياسة ووجع الرأس كما يطالبني الكثير من القراء الذين لا تستهويهم السياسة وليسوا من متابعي الأحداث لسأمهم لما يجري على الساحتين العربية والعالمية من تطورات متلاحقة، ولذا أكتب اليوم عن الوجد عند الإمام الشافعي وأبو فراس الحمداني سواء لوطنه أم لحبيبته، فكلاهما وطن وإن كانت كلماته في قصيدته الرائعة «أراك عصية الدمع» وهي ملهمتنا اليوم تسري على أرض المنبت والمحبوبة، وهو بذلك يزيد من حيرتنا فكل ما جاء بها كلمات توحي بالمعنيين، فأحياناً يغدر الوطن بأبنائه وإن كان هذا استثناء فهو الواقع أحياناً من قبل النساء في الكيد والانتقام. 

أما عن الإمام الجليل الشافعي فالحب لم يغب عنه حيث ترك لنا الكثير، ومن أبياته:

فـدعـه ولا تـكـثــر عـلـيــه الـتـأسـفـا

إذا المـرء لا يـرعـــاك إلا تكـلـفـا

وفـي القلب صـبـر للحبيـب ولو جفـا

ففي الناس أبدال وفي الترك راحة

ولا كـل مـن صـافـيـتـه لـك قـد صفـا

فـمــا كـل من تهـواه يهـواك قلبـه

فـلا خــيــر فـــي ودٍّ يــجــئ تـكـلُّـفـا

إذا لـم يـكن صفـو الـوداد طبيــعة

ويــلـقــاه مـن بـعــد الـمـودة بـالجـفـا

ولا خيـر في خـلٍّ يخــون خليــلـه

 وللإمام قصة شهيرة عن الحب، ويحكي فيها عن شاب مات كمدًا بسبب حبه، فبينما كان يسير الإمام في طريقه وجد حجرًا مكتوب عليه بيت شعر يقول: يا معشر القوم بالله خبّروني إذا حلّ العشق بالفتى كيف يصنع.. فما كان من الإمام الشافعي إلا أن رد على كاتب البيت كاتبًا على الحجر هو الآخر: يُداري هواه ويكتم سرّه ويخشع في كلّ الأمور ويخضع. ولم يمر وقت طويل حتى عاد الإمام وهو سائر يومًا ما الى نفس المكان والشجرة ليجد الشاب وقد أضاف: إذا لم يجد صبراً لكتمان سرّه فليس له شيء سوى الموت ينفع.. لم ينقطع الإمام عن الشجرة فعاد إليها مجددًا ليجد الشاب وقد أضاف: سمعنا وأطعنا ثمّ متنا فبلّغوا سلامي إلى من كان للوصل يمنع.. هنيئًا لأرباب النّعيم نعيمهم ولشقّ المسكين ما يتجرّع.

وعندما كتب الإمام عن الزهد قال:

هـي القنـاعةُ لا تـرضَى بهــا بـدلاً

فيهــا النعيـمُ وفيهــا راحـةُ البـدنِ

انظـرْ لمـن ملَــك الدُّنيـا بأجمـعِـها

هـل راح منها بغيــر القطـن والكفـن

وقد غاص الشافعي في النفس البشرية وما يصونها ليكون لنا عونًا بكلمات رقيقة مثل:

صن النفس واحملها على ما يزينها 

تعش سالماً والقول فيـك جميل 

ولا تولين الـناس إلا تجمـلاً

نبا بك دهر أو جفاك خليل

وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غـد 

عسى نكبات الدهـر عنك تـزول

ولا خير فـي ود امرئ متلون 

إذا الريح مالت مال حيـث تـميل

وما أكثـر الإخوان حيـن تعدهـم 

ولكنهم فـي النائبات قليل

 

إِنّي صَحِبتُ الناسَ ما لَهُم عَدَدُ وَكُنتُ أَحسَبُ أَنَّي قَد مَلَأتُ يَدي

لَمّا بَلَوتُ أَخِلاّئي وَجَدتُهُمُ كَالدَهرِ في الغَدرِ لَم يُبقوا عَلى أَحَدِ إِن غِبتُ عَنهُم

فَشَرُّ الناسِ يَشتُمُني وَإِن مَرِضتُ فَخَيرُ الناسِ لَم يَعُدِ

وَإِن رَأَوني بِخَيرٍ ساءَهُم فَرَحي وَإِن رَأَوني بِشَرٍّ سَرَّهُم نَكَدي

وإذا انتقلنا الى أبي فراس الحمداني، ذلك الفارس الهمام الذي سجنه ابن عمه ظلمًا ليناشده بقوله من محبسه في الأسر: أيا ليت ما بيني وبينك عامر.. وما بيني وبين الناس خراب. وقد ترك لنا أروع قصيدة وقد تغنت بأبياتها المعبرة أم كلثوم وهي «أراك عصية الدمع». والجميل في القصيدة التي تعد علامة في الشعر العربي في العصر العباسي ومن أشهر شعرائه المتنبي الذي لم يستطع منافسته ونزاله سوى أبي فراس الحمداني بكلماته الخالدة في «أراك عصي الدمع» وهو يتحدث فيها عن نفسه وأسره وحبه حتى وإن كان القصد منها هو مناشدة ابن عمه سيف الدولة الإسراع على تخليصه من الأسر وعدم الركون الى وشاة القصر الكثر الذين يحيلون بين أبناء العمومة، فخرجت الكلمات بأحاسيس صادقة من الشاعر الفارس الذي وضعوه في منزلة واحدة مع شاعر العرب الأشهر امرئ القيس. لم يكمل أبو فراس عامه الـ37 حتى فارق الحياة ليترك للمكتبة الشعرية العربية أندر قصائدها وأروعها، فهو الفارس الأمير المغوار الذي سجل في قصائده انفعالات الروح فى شتى حالاتها لتشهد على نُبل وإبداع قلما يجود به الزمان.

«أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ.. أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟».. بدأ شاعر الدولة العباسية وصف تجربته العاطفية الجياشة بتساؤل ليسرد حالة وجدانية فريدة في صدقها خاصة وصفه لحظة وقوعه في الأسر ليعاني مرارة السجن أولاً وهذا أمر طبيعي، ثم والابتعاد عن دياره وأهله. وتتوالى الأبيات لتصف حاله ليبوح بما لا يستطيع البوح به.

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ

أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ

ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ!

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى

وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي

 إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَةُ والفِكْرُ

وأيًا كان الهدف والمغزى من كلمات القصيدة، وهل هي للوطن البعيد أم الحبيبة الساكنة في قلب أبي فراس ولا تغادر خياله، فشاعرنا الكبير يصف لنا حالة حبه ولوعته حتى وإن كان يحدثنا عن غدر حبيبته، وهنا يحدث اللبس في الشرح ونعود الى نفس التساؤل: هل هي للوطن وطلباً لحريته خاصة مع تأخر سيف الدولة في فدائه كما تمنى منه، أم الحبيبة؟.. ولا يستطيع أحد ترجيح كفة على أخرى، رغم أن أم كلثوم بغنائها القصيدة حولتها فعلاً الى غاية في الحب واللوع وكذلك الفيلم السينمائي الذي لم يخرج عن حالة عشق وهوى وحب بين فارس مغوار يقع في الأسر وبين الإنسانة التي هواها قلبه وتعلق بها فؤاده وغاب عنها بفعل الأسر ليعيش معها حالة من الوجد والهيام في السجن حتى يخرج ويلتقيها.

ويأبى الفارس أن يستمر في حالة الوجد أمام جارته بنت الحي وشيمتها الغدر، فيعود الى كونه فارساً وابن من أبناء الدولة الحمدانية ليفتخر بنفسه وأصله وقومه الأعز بين أقوام الدينا وأعلاهم شأنًا وأحسن قوم يعيش على الأرض:

ولوْ سدَّ غيري، ما سددتُ، اكتفوا بهِ

وما كانَ يغلو التبرُ، لو نفقَ الصفرُ

وَنَحْنُ أُنَاسٌ، لا تَوَسُّطَ عِنْدَنَا

لَنَا الصّدرُ، دُونَ العالَمينَ، أو القَبرُ

تَهُونُ عَلَيْنَا في المَعَالي نُفُوسُنَا

ومنْ خطبَ الحسناءَ لمْ يغلها المهرُ

ومع ذلك لم ينسَ أبو فراس أن يذَكر قومه بشجاعته وحاجتهم إليه وقت الشدائد فلا غيره يسد مكانه عند المحن قائلاً:

سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ

«وفي الليلة ِ الظلماءِ، يفتقدُ البدرُ»

فإنْ عِشْتُ فَالطّعْنُ الذي يَعْرِفُونَه

وتلكَ القنا، والبيضُ والضمرُ الشقرُ

وَإنْ مُتّ فالإنْسَانُ لا بُدّ مَيّتٌ

وَإنْ طَالَتِ الأيّامُ، وَانْفَسَحَ العمرُ

ولوْ سدَّ غيري، ما سددتُ، اكتفوا بهِ

وما كانَ يغلو التبرُ، لو نفقَ الصفرُ

أدرك تمامًا أن مقال اليوم سيستهوي من يعانون من لوعة الحب وشقائه، وسيسترجع البعض ذكريات بعضها جميلة وأخرى أليمة، فهكذا هو الوجد والغرام، ومثلما نصحنا الإمام الشافعي بألا ندع بالاً لمن لم يرع الود وحب القلب وألا نتأسف على بعاده، سار أبو فراس الحمداني على نفس النهج وتحدث عن غدر من أحببناه ومن حاربنا الأهل في هواه فماذا كانت النتيجة سوى الغدر.. وهو ما أكده الإمام الشافعي بقوله: ولا كـل مـن صـافـيـتـه لـك قـد صفـا.. فـمــا كـل من تهـواه يهـواك قلبـه«.. فلا خير في خل يخون خليله ويلقاه من بعد المودة بالجفا، وما لم يكن صفو الوداد طبيعة في البشر فهجرهم ليس حرام.

 

وختامًا.. هل توصل أبو فراس الحمداني لإجابة على تساؤله».. أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟» الأمر لكم..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها