النسخة الورقية
العدد 11027 الثلاثاء 18 يونيو 2019 الموافق 15 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

ما أحلى العيد معكم

رابط مختصر
العدد 11021 الاربعاء 12 يونيو 2019 الموافق 9 شوال 1440

وصلت وصديقي مطار أبوظبي مع تسلل الخيوط الأولى من فجر يوم عيد الفطر السعيد قاصدين صعود الطائرة المتجهة إلى مدينة مينسك، عاصمة بيلاروسيا. وقد كتبت عن هذه المدينة الجميلة بعد زيارتي الأولى لها في فبراير من العام الحالي؛ أيامها كانت المدينة كغيرها من مدن جمهورية بيلوروسيا قد اتخذت من بياض الثلج الناصح ملبسًا، ومن قارص البرد ملمسًا. ومن فرط إعجابي بهذه المدينة قطعت على نفسي وعدا أن أرافق صديقي مرة أخرى بالعودة إلى مينسك وبيلوروسيا في فصل الصيف للتمتع بمنظر المدينة بعد أن تخلع لباسها الثلجي الأبيض وتكشف عن مفاتنها. الحقيقة ذهبت إلى المطار وأنا فرح بفرصة السفر هذه. غير أني أمام «كونترات» إتمام إجراءات الصعود إلى الطائرة في مطار أبوظبي الدولي شعرت بفرحي يخلو نسبيا، فرغم إني سافرت بملء إرادتي، فإن شيئا من الحسرة على عدم قضاء العيد صحبة الأهل والأصدقاء في البحرين فأعيادنا الإسلامية لا طعم لها خارج الوطن، كنت ساعتها أحدث نفسي بأن البلدان الأجنبية وفي حالات كثيرة تبدو أكثر فرحًا من مجتمعاتنا ولا تنغص على حيواتهم الفواجع التي تضرب المجتمعات العربية مثل تلك التي سآتي على ذكرها لاحقا. كانت هواجس النفس تحملني من طرف إلى طرف: حسرة على عدم قضاء إجازة العيد صحبة حفيدي وأحبتي بالبحرين واستبشار برحلتي الصيفية إلى بلد أسرني بجماله، ولم يخفِ هذا التجاذب بين المشاعر المتضاربة إلا ما فاجأنا به المواطنون الإماراتيون، وغيرهم من المقيمين العاملين بالمطار بابتساماتهم المرحبة وتهانيهم لنا بحلول عيد الفطر السعيد.

صعدت إلى الطائرة فداهمتني مشاعر مختلطة رافقتني على مدى أيام العيد وبعدها؛ حيث صادف وجودنا الباكر في مينسك احتفالات كبيرة وكثيرة ومن بينها يوم «روسيا متعددة القوميات» الذي يحتفى به على أوسع نطاق في العاصمة مينسك. صعدت إلى الطائرة مستحضرًا أني لم أعتد منذ ثمانينات القرن الماضي قضاء فترة العيد كاملة بعيدا عن الأهل والأحباب، فأسعفتني ذاكرتي بما خفف ألم الابتعاد عن الأهل أيام العيد؛ فحال إقلاع الطائرة عشت فرحة العيد باستحضار تفاصيل أيام العيد البعيدة القابعة في خبايا الذاكرة، ولم أفوّت وقتها فرصة رسم صورة متخيلة لأفراد أسرتي الصغيرة وهم يتبادلون تهاني العيد في غيابي، وكيف سيبدو في يوم العيد هذا حفيدي محمد. لقد عايشت في هذه اللحظات صخب الذاكرة وفوضى المشاعر وأحلام النفس وآمالها في اللحظة ذاتها، ولعلي بهذا البوح قد أجيب عن تساؤل مداره أسباب خفوت بريق الفرح عند «كونترات» إجراءات السفر في مطار أبوظبي الدولي.

وصلنا مينسك فوجدناها في غمرة الاحتفال، وهو ما قادني رغما عني إلى المقارنة بين الأعياد عندنا وعند الأمم الأخرى التي تهفو دائما إلى الفرح، وتجترح لها مناسبات يتكثف فيها لاستيلاد الطاقات.

 

من غريب العرب والمسلمين، وأنا أفخر بأني واحد منهم، أننا نعيش الأفراح بأعيادنا مع استمرار الحروب وانتشار حالات البؤس وعدم الاستقرار التي ينشرها المتطرفون في كثير من هذه البلدان. ففي الوقت الذي ينتظر فيه العرب والمسلمون الإعلان عن العيد؛ فإن هناك في زوايا الوطن العربي الإسلامي المترامي الأطراف تنتشر النيران لتلتهم أحلام أطفال العرب. فحرب اليمن مشتعلة مع إصرار الحوثي المرتمي في أحضان ملالي إيران على بيع بلاده كلها إليهم راضيا مستكينا إلى عبودية لم تكن يوما، ولن تكون، من طباع اليمنيين الأباة.

لقد بدا أن الإعلان عن العيد لم يكن كافيا لهدنة ظرفية توقف تدخل إيران وتركيا السافر في الشؤون الليبية. ومحاولاتهما البائسة، مرفودتين بالدعم المالي القطري غير المحدود وبالآلة الإعلامية الإخوانجية القطرية، تغيير اتجاهات الأحداث في السودان والجزائر. والتوتر نفسه نجده من خلال الدواعش الذين لم يطب لهم العيش دون اتخاذ فرحة العيد فرصة لإراقة مزيد من الدماء ودفع سيل الأحزان إلى منتهاه بجريمة إرهابية جديدة استهدفوا فيها العريش المصرية.

كل هذه الأحوال والوقائع فرضت نفسها علي وجعلتني في المقارنة التي فرضها عليّ الواقع الموضوعي أنتهي إلى أننا فعلا أمة عجيبة غريبة؛ ففي الوقت الذي نرى فيه بلدان العالم الأخرى تعمل جاهدة على ملء روزنامتها بالمناسبات التي تبعث على الفرح والحبور، يتفنن بعضنا في تقليص مساحات الفرح بل وتحويلها إلى مآس وأحزان. المسألة في جوهرها تكاد ترتبط بإرث ثقيل علينا أن نجد يوما الجرأة على مواجهته، فلا فرح من دون وعي بمآسي الحاضر وسعي إلى تجاوزها. الفرح ثقافة وعقلية تبني أمما وتجعلها تتطلع أبدا إلى المستقبل، والإرهاب بدوره ثقافة تحاول جرنا دائمًا إلى الماضي لتحرمنا متعة التنعم بحركة التاريخ ورحلة الحضارة.

لقد وجدت في هذه المقارنة سانحة تفكير أقنعتني أكثر من أي وقت مضى بأن للعيد طعمين مختلفين؛ طعمًا مرًا يفرضه علينا انتماؤنا إلى أمة تعيش تحولات حاسمة نرجو أن تُحسم لصالح التقدم والعقلانية والمدنية وحب الحياة، وطعمًا حلوًا مميزًا لا يكون إلا بين الأهل والأحباب، وإن سكنوا القلب وعمروه؛ إذ يبقى العيد دائما أحلى ونحن بين الأهل والأحباب ومعهم جسدا وروحا، وهامش الفرح والسعادة فيه أكثر. وإذا ما كان من إيجابية لسفري خارج البلاد في فترة العيد، فهي أني قد آثرت أن أكون مسترخيا لا أحمل هموم ما يجري في أوطاننا العربية والإسلامية، وأرجو أن أوفق إلى ذلك ولو إلى حين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها