النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

شيء ما عن ثقافة الاستقالة..!!

رابط مختصر
العدد 11020 الثلاثاء 11 يونيو 2019 الموافق 8 شوال 1440

ربما على وقع تلك الصورة التي خرجت بها علينا رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي وهي دامعة العينيين لتقدم استقالتها واعتزالها السياسة، ولتخبرنا ان مصلحة بلادها تتطلب رئيس وزراء 

جديد، وانها تشعر بالفخر لكونها حازت على فرصة خدمة بلدها الذي أحبته، وهي مسألة طبيعية في مجتمع ينتمي الى مؤسسات ديمقراطية، وبالتالي فإن حالها كحال الملايين الذين يحالون الى التقاعد، ربما على وقع هذا الحدث نتحدث عن ثقافة الاستقالة، وهي باختصار قيمة حضارية وثقافة مجتمعية لم نعتدها بعد، ونرجو المعذرة ان كنا قد عدنا للتذكير بالبديهيات، ان نفعت الذكرى.. !!

ثقافة الاستقالة عرفت بأنها ثقافة تحمل المسؤولية، بل هي في كثير من الحالات تكون أروع مثال في تحمل المسؤولية، وقيل بأن الميزة الوحيدة التي تجمع بين الناجحين في العالم تكمن في قدرتهم على تحمل المسؤولية بجدارة، وقد وجدنا مسؤولين كثر وهم يقدمون استقالاتهم في الدول التي في بالنا وبالكم، اي الدول الديمقراطية التي فيها الاستقالة تعد شجاعة تحسب للمسؤول وقد تدخله التاريخ، وثمة مقولة «القادة الجيدون يعرفون متى يجب عليهم الرحيل، وقد حان الوقت بالنسبة لى ان أفعل ذلك»، للعلم القائل هو جون كي حين قدم استقالته من رئاسة وزراء نيوزلندا..!

في دولنا العربية، قد ينظر الى الاستقالة بأنها ليست من عاداتنا ولا تقاليدنا، او انها عمل من اعمال الشيطان، وكفر بنعمة الله، او بدعة مستوردة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، او حماقة وانسحاب من المسؤولية، مهما كانت جسامة موجبات هذه الاستقالة، وقد يعدها البعض هزيمة لا تليق بالفرسان الشجعان، وطالما هناك أكباش فداء يتحملون او يحملون المسؤولية طوعاً او قسراً، ويدفعون ثمن أخطاء الكبار فلا موجب للتفكير في التنحي او الاستقالة او حتى الإقالة..!، واحسب ان هذا يعنى ان الإبقاء على المسؤول بصرف النظر عن كل الحالات الفاقعة والوقائع الفجة التي يتعين فيها ان يقدم استقالته فوراً هو الشيء الوحيد الواضح في هذا المشهد الكارثي الى درجة اننا كدنا نقتنع بأن الاستقالة في قاموس المسؤول العربي باتت وكأنها مرتبطة باستقالة إبليس من مهامه..!!!

في المجتمعات الديمقراطية التي تعلي من شأن قيمة المساءلة والمحاسبة، والتي يحاسب المسؤول فيها عن أخطائه حيال اي وجه من أوجه الخلل والقصور في دائرة مسؤولياته حتى وان لم يكن مسؤولاً عنها بشكل مباشر، يتحمل المسؤول مسؤولياته ويقدم استقالته من دون وجود اي لواصق او مثبتات، في سلوك سائد ومحترم لا يزدري الرأي العام او يسقطه من حساباته بل يعمل له الف حساب، الأمر الذي احد أوجهه الإيجابية ان أصبحت الاستقالة، من اكبر مسؤول حتى اصغر مسؤول فضيلة ونموذجاً وعملاً مشرفاً في تحمل المسؤولية، وهناك من عدّها أروع مثل في تحمل المسؤولية..

اذا حاولنا التنقيب في صفحات تاريخ الاستقالات في منطقتنا العربية قد نجد هناك بعض الحالات النادرة التي وجدنا فيها مسؤولين وهم يقدمون استقالاتهم إقراراً بإخفاقات هنا او مخالفات هناك او باخطاء مهنية هنالك، الا اننا لم نجد في بلادنا من فعل ذلك متحملاً مسؤولية أخطاء او تجاوزات او مخالفات تقع في نطاق عمله ومسؤولياته كتلك التي يكشف عنها ديوان الرقابة المالية والإدارية في تقاريره، يفعل منذ خمسة عشر عاماً وحتى الان، وباتت اليوم اكثر من الهم على القلب في كثير من الوزارات والمرافق والأجهزة، ومنها ما تحول الى مسلسل دائم يسجل ويوثق في كل تقرير، واحسب ان هذه التقارير تكشف عن حالات كثيرة تتراكم وهي من الوزن الثقيل التي يتعين فيها على بعض المسؤولين وفي احسن الأحوال ان يستقيلوا ومن دون تردد، ولكن النتيجة كلكم تعرفونها..!!

ما يحدث كأن المسؤولين عندنا لا ينحرفون ولا يخطئون ولا يهملون، سواء بقصد او غير قصد وبكل ما ينطق بسوء الأداء والإدارة، والأخطاء الفادحة كهذه التي عبرت عنها عناوين صحفنا المحلية من وحي التقرير الأخير لديوان الرقبة، ومنها هذه العناوين، تجاوزات تطال الخبز والدواء و تجاوزات ومخالفات مهنية هددت حياة المرضى، وادوية منتهية الصلاحية، وتلاعب بأكثر من 500 حالة صرف أدوية ووزارة الصحة تتخلص من مستنداتها، وهيئة جودة التعليم تصرف مكافآت لمجلس ادارة منتهي المدة، وأساتذة جامعيون غير بحرينيين يحملون شهادات غير موصى بها، وجهات لم تتخذ إجراءات ضد المعتدين على أراضيها، وجهات اخرى تقدم نسب إنجاز غير دقيقة لمشاريع برنامج عمل الحكومة، قائمة العناوين طويلة، تلك أمثلة ليس الا، وكلها ودون استثناء قوبلت بالصمت، لم تحرك او تصب مسؤولاً واحداً، او تعكر مزاجه، مزاجه فقط، أليس الأمر باعث على الدهشة والاستغراب!

وتتعاظم بواعث هذه وتلك حين نقرأ ونسمع مسؤولين يقولون ولكنهم عملياً يفعلون العكس..!! 

يمكنكم الرجوع الى ما نشر مما ورد في التقرير الأخير لديوان الرقابة، فهناك الكثير مما لا مجال للاجتهاد على توصيفه من انحرافات لا تدع مجالاً للشك لسؤال يفرض نفسه: لماذا ثقافة الاستقالة وحتى الإقالة غائبة او مغيبة ولم تنل حظها من الحضور اللازم في ساحة الأداء العام والمسؤولية العامة..؟!، ان ما سُجل ووثق من مخالفات وتجاوزات تقابل وللأسف بتسطيح بالغ في ردود الفعل من كل الجهات التي يفترض انها معنية بما في ذلك النواب أنفسهم وكأن هناك عرفاً جرى واستقر وانتهى الأمر، والمطلوب منا فقط ان نوسع صدورنا وان نتقبل ما كتب علينا..!

مناسب في هذا السياق ان نذكر بمقولة تنسب للزعيم الراحل جمال عبدالناصر «لقد آن الأوان لكل مسؤول ان يتحمل مسؤولياته ويدخل في كل حساب او يسقط من كل حساب»، فهو كلام جدير بأن لا نغض الطرف عن معناه بل والعمل به، واذا اقتنعنا بذلك فأرجو ان يؤذن لي في الإلحاح على هذا السؤال: لماذا لم نر مسؤولاً يستقيل من منصبه من باب الإقرار بمسؤوليته على الأقل، نقول على الأقل في بداية صحوة تنبئنا بأن هناك من بات يفهم معنى ومغزى ثقافة الاستقالة ويشجع عليها ويدفع بها، ارى جازماً ان ما يكشف عنه ديوان الرقابة في تقاريره من مواطن الضعف والخلل مع وجود اخطاء او مخالفات جسيمة وقرارات خاطئة في نطاق مسؤولياته كفيل بإحداث هذه الصحوة التي طال انتظارها حتى لا يبقى كل شيء على حاله، علماً بأن لو جزءاً من هذه المخالفات والتجاوزات حدثت في دول اخرى لوجدنا الأمر مختلفاً طالما ان قيم المحاسبة الأدبية والسياسية والقانونية تفرض نفسها فرضاً..؟! 

اننا امام ملف يتعلق بقواعد المسؤولية الغائبة او المغيبة، وهي القواعد التي لن يكون لها الحضور اللازم في منطقتنا العربية بوجه عام طالما افتقدنا الجرأة على الاعتراف بالتقصير، وبالفشل، والعجز، ونظل مستمرين في التمسك بثقافة لا تجلب الا المشاكل والمصائب، وهي ثقافة التبرير، تبرير السلبيات والأخطاء والإخفاقات والتهرب من المسؤولية، وهي الثقافة التي تجعلنا نتهافت على تعويض النقص بالكلام والشعارات والتمسك بتدوير العاجزين والفاشلين في كل محطة ومرحلة مفصلية..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها