النسخة الورقية
العدد 11057 الخميس 18 يوليو 2019 الموافق 15 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:25AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

قطر.. الوداع الأخير

رابط مختصر
العدد 11020 الثلاثاء 11 يونيو 2019 الموافق 8 شوال 1440

نقلت وكالة الأنباء الرسمية القطرية (قنا) ووكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إرنا)، إضافة إلى قناة الجزيرة وشبكة (CNN) الإخبارية الأمريكية عدَّة أخبار خلال الأسبوعين الماضيين لها من الدلالات الكثير، حيث تضمَّنت تلك الأخبار الآتي:

إعلان وزير الخارجية القطري في مقابلة مع قناة الجزيرة بتاريخ (2 يونيو 2019م) تحفّظ دولة قطر على البيانين اللذين صدرا عن القمتين الطارئتين الخليجية والعربية اللتين انعقدتا في (30 مايو 2019م) للأسباب الآتية: أُعدا دون استشارة الدول المشارِكة، تضمّنا بنوداً لا تتفق مع السياسة الخارجية القطرية، ركّزا بشكل رئيسي على التصعيد مع إيران، غياب أيّ طرح لاعتماد سياسة الحوار مع الدولة الجارة (إيران)، قناعة قطر بأن التصعيد لا يصب في مصلحة دول المنطقة وشعوبها.

اتصال أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد بالرئيس الإيراني حسن روحاني بتاريخ (5 يونيو 2019م) لتهنئته بعيد الفطر.

تقديم الرئيس الإيراني روحاني -خلال ذلك الاتصال- الشكر للشيخ تميم على موقف حكومته من البيانين الصادرين عن القمتين الطارئتين الخليجية والعربية، واعتباره أن مواقف الحكومة القطرية من هاتين القمتين نابعة عن سياسات حُسن الجوار وفي اتجاه خفض التوترات، وأن أيّ قمة لا تُسهم في تقريب دول المنطقة بعضها ببعض لن تكون مثمرة وبنَّاءة بل هي ضارة، وأن حكومة إيران تقف إلى جانب قطر، وترى أن التهديدات والضغوط والحصار والعقوبات الاقتصادية مسار خاطئ في العلاقات بين الدول، وأن سياسة طهران هي توسيع العلاقات مع الدوحة.

وعند التحليل السياسي الموضوعي للتصرفات القطرية - بعد ثلاثة أيام من انفضاض القمم الثلاث - وردود الأفعال الإيرانية إضافة إلى التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة يتضح الآتي:

أولاً: لم تعد الحكومة القطرية تُولي منظومة مجلس التعاون أيّ اهتمام أو حرص على بقائها واستمرارها، وذلك بعد أن استطاعت إقناع الوسيط الكويتي، أو ربما وصول صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الصباح أمير دولة الكويت إلى قناعة بأن وساطته لم تعد ذات فائدة بسبب تعنّت الجانب القطري، خاصة بعد أن رفض أمير قطر- كما ذكرت بعض المصادر - عرض سمو أمير دولة الكويت باصطحابه في طائرته الخاصة وعقد اجتماع سري مع خادم الحرمين الشريفين لفتح باب لبحث إنهاء الخلاف القائم بين الجانبين. 

ثانياً: رغم الحضور القطري الرسمي عالي المستوى في قمم مكة الثلاث، والاستقبال البروتوكولي الرسمي لرئيس الوزراء القطري في جدة، واستقبال خادم الحرمين الشريفين له في مكة المكرمة، وعدم اعتراض أو تحفّظ الجانب القطري على بيانات القمم أثناء انعقادها -والتي لا بدّ وأن تمّ عرضها مسبقاً على وزراء خارجية الدول المُشارِكة لمراجعتها- نجد أن اعتراض الدوحة جاء في خطوة مفاجئة وبعد ثلاثة أيام من انتهاء تلك القمم! وهذا يؤكِّد عدم نضج القيادة القطرية سياسياً، وجهلها بالأساليب الناجعة لمعالجة أزمتها مع أكبر دولة في المنطقة والحفاظ على استقرارها وأمنها، وتعنّتها باستخدامها لكافة الأساليب وتسخيرها لكافة الإمكانيات لتعميق هذه الأزمة وتعقيدها تحت ذريعة حماية سيادتها الوطنية من الانتهاك، في تجاهل تامّ لما سيترتَّب على ذلك من نتائج كارثية على مستقبل المنطقة وعلاقات شعوبها، وذلك كلّه من اجل حلم التربّع على عرش الوطن العربي والتحكُّم فيه عبر تغيير أنظمته الحاكمة، والتآمر في ذلك مع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلنتون، ومع (تركيا) التي سعت بكل قوة واستماتة لتمهيد الطريق إلى صعود تيار جماعة الإخوان المسلمين، رغم أن النهج الإخواني الذي يقوده أردوغان يتعارض تماماً مع سياسة دول مجلس التعاون، خصوصاً بعد أن اتضحت حقيقة أردوغان الدكتاتورية بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة ضده في (يوليو 2016م) وقيامه بإغلاق عشرات القنوات الإخبارية والصحف اليومية واعتقال الآلاف من المعارضين له وإجرائه عمليات تطهير واسعة في الجهاز الإداري الحكومي، وهو ما أدى إلى توترات شديدة في علاقات التعاون العسكري الأمريكي التركي وتعليق مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

ثالثاً: ولادة تحالف سياسي عسكري جديد في الشرق الأوسط مكوَّن من (قطر وإيران وتركيا)، ويحظى بدعم غير مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية التي لها في ذلك مصلحة استراتيجية كبيرة بسبب وجود (قاعدة العديد الجوية العسكرية) على الأراضي القطري وهي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، و(قاعدة إنجرليك العسكرية) على الأراضي التركية والتي تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية منذ خمسينيات القرن الماضي لحماية مصالحها من خطر الاتحاد الروسي.

رابعاً: من الصالح الأمريكي بقاء المنطقة العربية في حالة توتر دائم، وتواصل التهديدات الإيرانية ضد السعودية والبحرين والإمارات والكويت وإسرائيل؛ وذلك لضمان استمرار حاجة تلك الدول للولايات المتحدة لدعم أمنها واستقرارها وإبرام الصفقات العسكرية بالمليارات. 

خامساً: تعطّل الهدف الذي سعى القادة المؤسسون لمجلس التعاون لتحقيقه منذ عام (1981م) وهو إقامة (الاتحاد الخليجي) حسبما نصَّت عليه المادة الرابعة من النظام الأساسي للمجلس، وما انتهى اليه الوضع من تعطيل في قيام المجلس لدوره وتأثيره كتجمّع سياسي واقتصادي بعد الأزمة القطرية التي تفجَّرت في (5 يونيو 2017م)، إلا أن ذلك كان دافعاً للدول الخليجية المقاطِعة للاستمرار في توحيد وتنسيق مواقفها ودعم اقتصاديات دولها، فأصبحت المملكة العربية السعودية هي (القوة الكبرى) ليس على مستوى الخليج والوطن العربي فحسب بل على مستوى العالم، فكانت المحطة الخارجية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي انعقدت على إثرها (قمة الرياض) في (مايو 2017م)، حيث قامت السعودية بدعوة سبعة وخمسين دولة عربية وإسلامية، فكان هناك اجتماع (سعودي أمريكي)، واجتماع (خليجي أمريكي)، واجتماع (عربي إسلامي أمريكي)، كما تمكَّنت السعودية أيضاً وفي فترة قياسية من عقد ثلاث قمم (خليجية وعربية وإسلامية) في مكة المكرمة في الأسبوع الأخير من شهر رمضان المبارك.

إن الأزمة القائمة وتطوراتها الخطيرة اللاحقة هي نتيجة التأثيرات الإيرانية والتركية الكبيرة على قطر التي ادى عدم وفائها بالتعهدات والالتزامات المتَّفق عليها خليجياً الى فشل الوساطة الكويتية، فالقيادة القطرية التي ينقصها النضج السياسي، ويغشاها حلم قيادة الشرق الأوسط بما تملكه من أموال وثروات طائلة استغلها (الإخوان المسلمون) جيدا لتحقيق هدفهم المنصوص عليه في نظامهم الأساسي بإقامة الدولة الإسلامية، مما أدى الى ضرب العلاقات التاريخية والأخوية الخليجية في مقتل ودفع الى تعرض دول مجلس التعاون للتهديد والأخطار المحدقة وأدى الى حالة من التوتر في العلاقات الأخوية وتهديد استقرار وأمن المنطقة برمّتها.

هل من الممكن أن نقول بأن ما قامت به قطر في قمم مكة كان الوداع الأخير لشقيقاتها دول مجلس التعاون ومحيطها العربي؟ لا أعتقد. فلم تزل الآمال معقودة بعودة المياه الى مجاريها، لأن العلاقات الأخوية والأخلاقيات الخليجية واحترام روابط الدين وأواصر التاريخ والدم واحترام الجوار ستبقى أكبر وأكثر قيمة من أيّ مصالح مؤقتة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها