النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

البحث عن حل ممكن:

حلم الولايات المتحدة العربية

رابط مختصر
العدد 11019 الإثنين 10 يونيو 2019 الموافق 7 شوال 1440

قال صاحبي متهجمًا:

لا نراك ناقدا ومتهجما إلا على الغرب، معبرا عن كراهية غير مفهومة، لأنك تعلم أنه لا يعبأ بما يكتبه الكتاب، وأنه عالم حرية الرأي الكاملة، ولكنك، في المقابل، لا تستطيع أن تنطق بكلمة واحدة في مواجهة ما يحدث في عالم العرب الفسيح من مصائب وبلاوي، فانت تنتقد الغرب وتهاجمه في كل مرة مع انه يمتلك النظام الحر الأكثر حرية وديمقراطية في العالم، إلى درجة أنه يمكنك أن تنتقده من دون أن تحاصرك التحفظات والقضايا وكامل مكونات الترسانة المعهودة في العالم الثالث. ولذلك أرى أن تلتفت بنقدك إلى عالمنا العربي، الذي يعج بالمعايب، فهو أولى به إن كنت تستطيع.

 

قلت:

من قال إنني أكره الغرب، فإذا ظننت ذلك فإنك ما فهمت مقاصدي، فكيف أكره الغرب وأنا أجده كل صباح في بيتي وفي كل مساء أجده صورة معلقة على الجدار، كيف أكرهه وهو يحاصرني صورا وأرقاما وانجازات ومباهج حياة، وحرية!! فأنا في حضرته أنام ملء جفوني، وأضع في بطني بطيخة صيفي، وأطرد من رأسي كل الأوهام التي قد تطوف بي في لحظة من اللحظات. فهذا الغرب يفكر بالنيابة عني وعن جموع الأمة، ويجترح لنا الحلول والخطط والاستراتيجيات، فلا حاجة لنا بالفكر والتفكير، فالنهوج واضحة، ومعالم الطريق مرسومة بدقة، والوصفات والحلول مكتوبة ومقررة سلفا وجاهزة للتصدير؟! فهذا الغرب يا صديقي، يجلس معي كل الصباح حول الطاولة، يفاوضني حول نمط العيش، وقواعد السوق والتجارة والأدب ومدونات السلوك، وحول الخرائط الجديدة للعالم والبنوك والأسهم والضرائب وأسعار المواد الأولية والعملات، وما يجب أن أفعل وما لا يجب أن أفعل، الصالح والطالح في حياتي، وخطوط الطول والعرض التي لا يجب أن أتجاوزها. وباختصار فأنا معه: أسمع ولا أتكلم، أسمع وأبتسم وأشكر وأمتن وأتجاوب واقتنع بسرعة. لقد دخل حياتي بالكامل ورتب أموري بالكامل والحمد لله. فكيف أكرهه وأنا لا أتمنى شيئا مثل أن أكون مثله وأن أسير على نهجه!؟؟ كيف لا أحبه وأنا أعشق نظامه الديمقراطي ونمط عيشه وإيقاعه وقوته الناعمة!! كيف أكرهه وأنا لا أتمنى أمرا مثل أن يكون عالمنا العربي المفكك والمتصارع ولايات متحدة عربية على شاكلة الولايات المتحدة الامريكية أو على شاكلة بلدان الاتحاد الأوروبي على الأقل، فهذا حلم الكبير والصغير عندنا منذ نشأنا ودرجنا على هذه الأرض.

لقد ذهب الغرب في يوم من الأيام إلى هايتي فقدم لها مساعدات ضخمة من دون أن يثير ذلك ردود فعل تذكر، فقد كان الاستيلاء مقنعا وانسيابيا وأنيقا والغالبية العظمى من البلدان تلقت ذلك بارتياح محتشم، وكان الكل يقول: أن يتكفل الغرب بهذا البلد فيغذي الجوعى ويعالج المرضى أفضل من أن يتركه للقدر!

كما دخل العراق في العام 2003م بهدوء كبير، حبا في الديمقراطية ونشرها، وتحرير العالم من مخاطر أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة أصلا، فأعاد الأمور إلى نصابها، فوزع الأدوار بأناقة كاملة: أنت تحكم، وأنت تعارض وأنت تذهب للاستجمام وأنت تذهب للسياحة، وأنت يمكن أن تشتغل في التجارة.... المهم أن كل شيء منظم مرتب منسق، فماذا تريد أكثر من ذلك يا صديقي العزيز!!؟؟

 

قال صاحبي:

يبدو لي وكأنك تسخر في موقف الجد، فالحقيقة التي لا يعترف بها أمثالك، أننا كعرب أصحاب عقدة اسمها الغرب، لأسباب عديدة تاريخية وثقافية ودينية ونفسية، ولكن من المؤكد أن الشعوب التي تقدمت في العالم هي تلك التي سارت سيرة الغرب بخيره وشره، ودخلت الحداثة في السياسة والثقافة والاقتصاد، وأخذت بالحرية منهجا حياة وتوجها ثابتا. بعكس ما نحن عليه في بلاد العرب، ولذلك يجب أن نعترف أننا أمة تدور حول نفسها، ولا تتقدم إلى الأمام لعدة قرون ونحن نراوح مكاننا. فإذا كانت الشعوب الحية تعيش على وقع الأفكار الجديدة منذ خمسة قرون على الأقل، وحققت فتوحات غير مسبوقة، فلأنه انقرض من بينها كل فم مكمم، وكل حاجب مرتفع. ومحاكم التفتيش عندهم صارت من تاريخ عصور الانحطاط، لكن مازال حرق الكتب عندنا طقساً من الطقوس المهمة، ومازالت أصوات قادمة من عصور الظلام تطالب بحرق كتب كثيرة وتكميم الأفواه المستنيرة، والاكتفاء بالتكرارية المملة، ولذلك فإن الإضافات النوعية التي تحصل عندنا على مدار المائة عام تقاس بالمليمتر بالمقارنة بما يحدث عند الشعوب المتقدمة، فلذلك من الأفضل أن تتوقفوا عن نقد الغرب.

 

قلت:

لماذا لا تأخذ كلامي كما هو، من دون تأويل أو تحميله ما لا يحتمل من المعاني التي تسكنك؟ فأنا لا أكره أحدا، فالحب والكراهية من المفاهيم الذاتية العاطفية، ولكنني أعجب أو لا أعجب، أقتنع أو لا أقتنع، آخذ بالشيء أو أتركه جانبا... فأنا معجب إلى النخاع بهذا العالم العظيم الكبير المتقدم حضارة وحرية وإبداعا وصناعة وقوة، ولكني أبدي (وبأدب جم) بعض الاستغراب من مواقفه تجاهنا، وتجاه قضايانا المركزية ومن ازدواجية المعايير والمكاييل. نؤمن به عندما تركب جواد العدل والانصاف والسلام، ونكفر به عندما يعتدي علينا أو يقف مع العدوان ضدنا، وعندما يؤيد الاحتلال والظلم. هذه كل الحكاية!!

 

همس

يقول المسرحي الإيطالي داريو فو: «إن مهمة الكاتب هي ان يزعج الآخرين..».

ويقول المفكر الليبي الصادق النيهوم في كتابه «محنة ثقافة مزورة»: «في بلاد العرب، ومنذ فجر التاريخ كانت الثقافة سلاحاً، مهمته تجهيل الناس أكثر من تثقيفهم، ولهذا السبب سكتت جميع الثقافات العربية عن قضايا الإنسان، وفشلت في تطوير مجتمعات حقيقية محررة من عبادة الأصنام الحية والميتة».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها