النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

عيد الفطر «السعيد»!

رابط مختصر
العدد 11017 السبت 8 يونيو 2019 الموافق 5 شوال 1440

عاد العيد، «عيد الفطر السعيد» كما يسمى، ولا أدري مصدر السعادة هنا، وفيما إذا كنا نقصد بالسعادة هنا مجرد انتهاء فترة الصيام وأخذ عطلة من أعمالنا والسلام على بعضنا البعض، أو أن حالنا حال الأهل الذين يسمون طفلهم «سعيد» على أمل أن يكبر ويصبح سعيدا بالفعل.

عاد عيد الفطر السعيد، والسعادة الحقيقية لا زالت مفقودة، فها هي حالة التشرذم التي تعيش بها الأمة العربية والإسلامية لا زالت باقية وتتمدد، ومآسي الأمة تتعمق في فلسطين والعراق وسوريا وليبيا ومينامار وسيرلانكا وغيرها، فيما يتفشى المزيد من الفقر والمرض والاكتئاب واليأس، ويزداد التأخر عن ركب العلم والثقافة والحضارة.

لا أحب السوداوية، والعيد بالفعل مناسبة للفرح، واعتذر من الأخوة القراء، لكن لا بد من جردة حساب بين الفترة والأخرى، بين العيد والعيد، لنجد أن أمانينا في العيد الماضي حول انتشار السلام لم تتحقق، بل تعمقت الجراح وبات هناك يأس بالفعل من وجود ضوء في نهاية هذا النفق.

أوضاعنا لم تتحسن، لم يتغير علينا شيء للأفضل مع الأسف الشديد، ولا زلنا في ذات الدوامة، ولا زال الإنسان العربي حزينا، ولا زال الإنسان العربي ضائعا، ولا زال الإنسان العربي لا يعرف إلى أين يتجه، مع العلم أن الحل بسيط جدا، لكن يبدو أنه لا زال متعذرا ومغيبا ومتمنِّعا.

وها نحن المسلمون من إيران إلى تركيا إلى الخليج كلنا نتخبط بإيديولوجيا وأفكار لا تعطي الإنسان ولا تربحه شيئا، بل تخدره وتخربه وتدمره، يذهب الآخرون إلى الفضاء والمستقبل، فيما نحن نستحضر الماضي لنعيد صياغته على هوانا، ثم نعيش فيه.

لقد كانت إيران مثلا بلد حرية وثقافة وانفتاح وتعددية، وكان لي أصدقاء إيرانيون كُثر عندما كنت طالبا في الجامعة الأمريكية ببيروت في ستينات القرن الماضي، حتى جاءت الثورة الإسلامية المزعومة، واتهمت حكم الشاه بالتخاذل، وعدم نجدة القدس، فأدخلت البلاد والعباد في قمقم، وسدت أمامهم المنافذ، وغسلت أدمغتهم بشعارات نصرة المظلومين والذود عن المقدسات، لكنها، ورغم مرور أربعين عاما على وقوعها، لم تقم بالسير ولو مترا واحد نحو تحقيق هدفها الأسمى بتحرير القدس، ولم تطلق إيران وميلشياتها الموجودة في سوريا على الحدود مع إسرائيل طلقة واحدة!. فعن إي إيديولوجيا نتحدث؟

أنا اعتقدت أن هذا هو الحلم وهذه هي الفرصة، وسنسترجع فلسطين، لكن لا أصدق ما أرى، لقد نسيت إيران معركتها الفاصلة مع «العدو الصهيوني»، وشنت بدلا من ذلك حروبا شعواء ظاهرة أو مخفية على مسلمين في بقاع عديدة.

كم أتمنى أن يعود بحر الخليج العربي كما كان بحيرة سلام، وليس مكانا تتكدس فيه البوارج الحربية وسط أجواء نذر الحرب، بحيرة يتم من خلالها تصدير واستيراد السلع، والسياح على طرفيه يهتمون بزيارة الأماكن الثقافية والترفيهية والمناطق الخلابة.

حبذا لو نستطيع الاعتراف بواقعنا أولا، وثم نبدأ نعمل، كما عمل غيرنا من الشعوب، الأوربيين واليهود والصينيين واليابانيين وغيرهم، من الذين أعادوا صياغة أنفسهم بعد حروبهم كلها، واعترفوا أن الحرب ليست السبيل، وأن الخلافات الدينية والخلافات الأيدلوجية لن توصلهم إلى أي مكان.

لماذا لا نعترف بأن القوة ليست قوة غسل الأدمغة وتأطيرها وتأطير طاقات الشعوب؟ لماذا لا نعترف أن القوة هي قوة الفكر والتكنولوجيا، والعلم والثقافة؟ لقد عاد علينا العيد ولم نتعلم أي شيء، ولا زلنا مكانك رواح. إنه أمر مؤسف بالفعل.

علينا أن نبني الإنسان، وعلينا أن نبني الثقافة، وعلينا أن نبني العلم، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي نبني بها مستقبلنا ومستقبل أطفالنا.

إن مصلحة كل من هم خارج العرب والإسلام أن نبقى ضائعين، لأننا لو صحونا لتمكنا من أن نعيد للإنسان العربي كرامته، ونحن لا نريد إخافة أحد، وإنما نريد العيش بكرامة وحرية، وأن نعطي ونأخذ من الشعوب الأخرى بحب وثقافة وعلم.

أنا من جيل عايش موجات المد الناصري التي أوقفتها نكسة حزيران، مرورا بصحوة حرب أكتوبر وتحرير سيناء والقنيطرة، والحرب الأهلية في لبنان، وتقسيم اليمن، وغزو العراق للكويت، وصولا إلى ثورات الربيع العربي المزعومة. عايشت نحو ستين عاما من الانكسارات، وخروج الأمة من حفرة لتقع في أكبر منها.

لكن إيماني راسخ لا يتزعزع بأن هذه الأمة وجدت لتبقى، فهذا الشعب يمرض ولا يموت، وقد مر على هذه الأرض أقوام غازية كثيرة، من بينهم البيزنطيين والمغول والتتار والإيطاليين والألمان والأمريكيين، لكن مرورهم كان عابرا وإن طال الزمن بهم.

هذا لا يعني طبعا أن نركن للراحة، ولا نأخذ بأسباب القوة والمنعة، وإذا لم تتح لأبناء جيلي أن يعيش انتصارات كبرى، فهذا لا يعني أن نورث أبناءنا والأجيال القادمة الهزائم فقط، بل بإمكاننا أن نرسم أمامهم معالم طريق نهضة الأمة، النهضة التي ترمي خلفها الإيديولوجيات والأفكار البالية، وتعتمد العلم والثقافة والتنوير أساسا لها.

 

*رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسيفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها