النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

ألم الغياب

لطفي نصر.. في الطريق إلى المقال الأخير

رابط مختصر
العدد 11014 الأربعاء 5 يونيو 2019 الموافق 2 شوال 1440

في تلك الليلة الرمضانية المباركة، وقع خبر وفاة الأستاذ والزميل والصديق لطفي نصر رحمه الله على المجتمعين في المجلس وقوع الصاعقة. 

ساد الصمت لدقائق.. «أهكذا يمضي هذا الكاتب الكبير فجأة من دون مقدمات، من دون كلمة وداع أخيرة؟!».

أهكذا يقضي وهو في أوج العطاء يستعد لكتابة مقاله الأخير؟ أهكذا يتحول من كاتب تتزين به الصحيفة كل يوم إلى خبر طائر في الفضاء الالكتروني في هذا المساء الذي التحف بالحزن؟؟!!

«إنه الموت المفجع»!!

قالها أحد الأصدقاء بمرارة غاضبة.

قلت: «إنها إرادة الله، ولكن ما كان لطفي نصر لينتظر الموت على سرير الانتظار الأبيض، بل ككل الفرسان كان عليه ان يواجهه على صهوة جواد في ساحة الوغى. فقضى واقفا كالنخيل».

قضى فارس الصحافة، الكاتب والصحفي، والأستاذ وخبير الإعلام الذي تخرّج من بين يديه العشرات من الصحفيين على مدار أربعة عقود من العمل المتواصل المضني المخلص في الصحيفة التي اصطبغت بروحه، وبتوازنه واعتداله، وبحبه لهذا البلد وإخلاصه وتفانيه في خدمتها عبر بوابة الصحافة.

عندما التقيته آخر مرة، قبل فترة ليست بالبعيدة، في إحدى جلسات مجلس النواب، وكالعادة كان اللقاء مع الأستاذ لطفي غنيا بالحديث المثمر، جلس، حليقا، وسيما، أشيب، فارا على الدوام من بؤس الواقع العربي إلى التفاؤل المزمن، عند توصيف هذا الواقع أو الحديث عن اشكالاته، وعند رسم صورة المستقبل، مستقبل الأمة:

«نسأل الله حسن العاقبة»، كان ختام كلامنا في ذلك اليوم!!

كان بيني وبينه ودّ كبير، وسنوات طويلة من التواصل والتعاون في المجال الصحفي والخبرة الطويلة. كان بيني وبينه التقدير والتوفير والمحبة. تلمّستُ ملامح وجهه ذاك الصباح. لمحتُ في عينيه ذلك العطش الذي يبحث عن نبع صافٍ، عطش من يعرف طريقه نحو الخير الذي ينشده، نحو لحظة هدوء لا يجدها في عالم الصحافة الذي لا يهدأ.. طاحونة الشيء المعتاد!!

جلس صامتا، وقورا كالمعتاد، متنبها، يتابع كل كلمة، وكل ملاحظة يسجلها على كومة الأوراق التي ترافقه دوما، مهما كانت صغيرة يسجلها، كل فكرة مفيدة يسلط عليها الضوء، ويشيد بها من دون إفراط ولا تفريط، كل فكرة جانحة طائشة، يتوقف عندها بالنقد من دون تجربح، إنها مدرسة لطفي نصر «الكتابة الإيجابية المتوازنة».

هكذا كان يسميها، مرددا: الكتابة الصحفية المفيدة هي التي تخبر الناس بالحقيقة، الكتابة الحقة هي التي تكون مرادفة للصدق، ومطابقة للوقائع المشاهدة بالعيان، ومتصفة بالموضوعية أو مدافعة عن انجاز عظيم أو عمل خير أو إنسان شريف أو مسؤول نظيف.. فإنه «مدح محمود ومطلوب»، بل هو جزء من مقاومة الفساد بإبراز الانجاز والإشادة بالشرف والتضحية والإبداع، وإلا فان الصحفي وقتها يتحول إلى مجرد (ندابة)، أو مجرد منتقد، مصاب بعمى الأوان.

لقد كان لطفي نصر يكتب كما يقرأ بالضبط..! كما يتكلم بالضبط، لا فرق تقريبا، بسهولة بالغة وبانسياب ووضوح، الكتابة عنده كشربة ماء صافية، يكتب بلغة عجيبة: السهل الممتنع. أعجوبة في صناعة القول، تخرج الكلمات من تحت يده سبائك وعقودًا من جوهر، نصًا مصقولاً.. مصاب ككل من حمل هم الأمة على عاتقه، بهواجس لا حصر ولا عد.. يفكر في مائة مسألة في ذات الوقت.. ويكتب.. ثم يكتب كل يوم له حضور وله مقال وقول، قلم لا يجف، ويد لا ترتجف، لا يهدأ له بال قط، إلا إذا أنهى مقاله.

... وفجأة غاب.. غاب لطفي الذي يحب الجميع ويحبه الجميع، قصة الموت المفاجئ، قضى وهو يجري وراء الكتابة التي لا تهدأ في دماغه ويتنفسها في الصباح والمساء.. 

ذاك المساء.. أمسكني ألم الغياب.. هذا الرجل «الكبير» يقضي فجأة اسمًا مفردًا.. يقضي مشتعلاً بنار قلبه العربي.. «سكتة» واحدة أراحته ذات ليل من خطوات الطريق الطويل.. نجمٌ يتوارى من دون ضجيج.. الكل مفجوع، الكل يسأل.. أين مضى؟ أيعقل أن لا نراه مجددا في نبض ذلك العمود المشرق؟ 

مضى لطفي نصر بعيدًا، مارًا كالنيزك المفرد. وبيده قلم الرصاص وقائمة من المقالات لم تكتمل.. مضى عطشانًا في عالم صحفي عربي مليء بالدجل والأكاذيب والتزلف والأمجاد المستعارة.. مضى في طريقه إلى النبع الصافي، يتكلم عن الثوابت يدافع عما يراه الحق، عن العدالة والتضامن والصدق والانصاف، إلا أنه وجد نهايته الأخيرة في طريقه إلى المقال الأخير الذي لم يتمكن من كتابته تلك الليلة الحزينة، فانتهى في هجعته الأخيرة في أحضان الموت المتربص به وبنا، في طابور الغياب الغريب.

لم يحزنني الخبر فقط، بل أصابني بالشلل التام، لم أنم ليلتها وكأنني لا أصدق خبر الموت المفاجئ. هذا الرجل الكبير الذي كرس حياته للكتابة للصحافة لا يعرف السكون قط.. واليوم يمضي كقبض الريح، بالأمس كان يحلم.. كان يرسم بقلم الرصاص رؤى الليالي القادمة. يحلم بهداة.. بحالة عربية أفضل وبأيام أجمل، فإذا به يجد هداته الأخيرة قبل ان يكمل المقالة، فارا من حكاية عربية إلى أخرى. 

هكذا هو الطائر العربي المجروح دائما، في الليل يطلق الصرخات ويعذبه العيش حيث يستحيل الفكر محض تراب.. وأن يصبح القلب الذكي مفازة قفراء، حتى من خفوق سراب.

كان يبحث عن بوابة البحر الأخيرة فلا يجدها. كان يركض.. وبأظافره ينبش بحثًا عن المعلومة عن الحقيقة، يحمل مصباح ديوجين، وراء القصة اليومية التي يطل من خلالها على قرائه. يرجع كل ليلة يذكر بسيزيف الذي يحمل الصخرة قدرًا.. ولكنه لا يستسلم للعبة القدر المحتومة.. مرهقا بأحمال السنين مضى.. جسدًا لم يكتب مقالته الأخيرة. مضى عقودًا من الخيبات العربية والاحلام العريضة وخواتيم أحزان.. يجري.. يرميه الحلم العربي إلى الحلم العربي، حتى قضى قلمًا واقفًا، سقط وحيدًا في الطريق إلى المقالة الأخيرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها