النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الدكتورة ماتيوز خدمت وودعت

رابط مختصر
العدد 11013 الثلاثاء 4 يونيو 2019 الموافق غرة شوال 1440

خبر كالبرق الخاطف مر عبر وسائط التواصل الاجتماعي يفيد بأن الدكتورة ماتيوز قد انتقلت الى الباري عز وجل؛ خبر بين موجة من الأخبار، أكثرها تمرر وتمر مرور الكرام دون قراءة ولا توقف مع الخبر، وهذا دأب الانسان مع الخبر والمعلومة عبر هاتفه الذكي؛ الأكثرية الساحقة تنقل ما تستلم ولا تدري ما استلمت وما نقلت، إلاّ أبناء الحي حيث عيادة الدكتورة ماتيوز، فقد نزل عليهم الخبر صدمة صاعقة؛ لقد ماتت الطبيبة الطيبة، صديقة الكبار وام الصغار، كانت سيدة الحي، فباب عيادتها مفتوح للجميع، ليل نهار، وتستقبل مرضاها بابتسامة من الحنان والرضا. وهكذا فإن لبعض الأخبار وقعًا على البعض من الناس دون الغير. دون الخوض في تفاصيل من هي الدكتورة ماتيوز، من المهم أن أهل المنامة، وخاصة حي من أحيائها المكتظة بالسكان على علم ومعرفة بهذه الطبيبة التي فاق طيب سمعتها اصل نسبها واصل موطنها، فهي إنسانة بفطرة الانسان الطيب، وتحمل رسالة طبية مغلفة في رداء الانسانية. في بداية الستينيات من القرن الماضي لملمت حاجياتها الخاصة في حقيبة وحملت رسالتها الطبية وغادرت موطناً، هو الهند، إلى موطن آخر، هو البحرين؛ فبالنسبة لأصل الانسان وروح الانسانية فيها فإن ارض الله واسعة وهي كلها للإنسان وطن، ومثلما قال أستاذها الكبير المهاتما غاندي: «إن الله لم يخلق حدوداً على الارض ليفصل الانسان عن الانسان». جاءت من أرض تحمل ثقافة التعدد وألواناً من اللغات والديانات، وكلها رغم اختلافها تعيش وتتعايش في سلام وأمان، والكل يقبل الكل، وليس هناك بعض يوصف بالأقلية، بل الكل في بوتقة الانسانية سواء؛ لقد جاءت الدكتورة الفاضلة ماتيوز من هذه الثقافة المتعددة الألوان والنكهات. خدمت الطب في البحرين وعالجت المرضى وانقذت حياة كثير من الكبار والأطفال مدة تزيد على النصف قرن؛ وما كانت زيارتها تكلف سوى الزهيد من الدينار من المريض المقتدر، وابتسامة منها بعد العلاج لغير المقتدر. 

كانت تعالج المريض على حب العلاج، مثل المؤمن الصادق الذي يؤتي «المال على حبه ذوي القربي والمساكين...»، لا من أجل المال والإثراء. كانت ملتزمة، التزام المؤمن، بقسم أبقراط؛ كان هذا القسم العظيم نصاً مقدساً عندها؛ وهذا القسم العظيم نوجزه في خاتمته التي هي روح الالتزام بالقسم: «...فإذا ما وفيت بهذا القسم ولم أحِدْ عنه، يحق لي حينئذ أن أهنأ بالحياة وبالفن الذي شَرُفت بالاشتهار به بين جميع الناس في جميع الأوقات؛ وإذا ما خالفت القسم وأقسمت كاذبًا، فيجب أن يكون عكس هذا نصيبي وجزائي». إن عصرنا، ومنذ بداية القرن التاسع عشر، هو عصر المادة بماديتها المالية؛ مادية الكسب الفائق والفائض، وليس أداء الواجب، إلاّ ندرة من الناس، ومنهم طبيبتها المميزة الدكتورة ماتيوز، تعطي الواجب الوظيفي حقه، وتعطي نفسها من حق العدل بالميزان الذي لا يميل عن إحقاق الحق، وهذا حق طبيعي ومعيشي. كدأب كل المجتمعات في هذا الزمن الغارق في مادية المال، فهناك في أعلى اليمين الثري القادر المقتدر، وهناك في أدنى اليسار الفقير العاجز الكاظم للغيظ؛ كانت الدكتورة ماتيوز ترى، بعين الضمير الحي، تلك المسافة الشاسعة غير العادلة بين ذاك اليمين وهذا اليسار، وتأخذ من أهل اليمين حقها الذي تراه حقاً دون افراط ولا فيض من اكتساب، بينما كانت تغض عن مد اليد لاستلام ما تفيض به يد الفقير... كانت تشعر بثقل الدينار في يد المريض الفقير؛ إن للدينار الواحد ثقلاً في يد الفقير يفوق ثقل سبيكة الذهب في يد الثري... وعندما كانت تشعر بهذا الثقل في يد المريض، كانت تنظر الى وجهه وابتسامة الرضى ممزوجة بالألم تزين وجهها، وتضع يدها على كتفه وترافقه إلى باب العيادة وتودعه راجية له الشفاء العاجل، فينظر المريض الى الدينار في يده ولسان حاله يتقطر حباً وإعجاباً واحتراماً لهذه الطبيبة العظيمة؛ وهذه قصة، تشهد العيادة المتواضعة عليها، بين ألوف القصص... كانت هذه الطبيبة ترضي ضميرها بمهنة الطب وعلاج الناس، وخاصة ذوي حاجة للعلاج دون اقتدار لإيفاء العلاج حقه من الدينار... رحم الله الدكتورة ماتيوز واسكنها حيث سكنى الأرواح الطاهرة...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها