النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

العاصوف.. حجر كبير في بحيرة الدراما الخليجية

رابط مختصر
العدد 11013 الثلاثاء 4 يونيو 2019 الموافق غرة شوال 1440

إذا كان هناك مسلسل درامي تليفزيوني يستحق الإشادة والثناء في رمضان هذا العام (2019)، فهو من وجهة نظري مسلسل (العاصوف) الجزء الثاني، لرمزه ومشرفه العام الفنان النجم السعودي العربي ناصر القصبي، والذي يستمد أحداثه من التحولات (العاصفة) بمختلف أصعدتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعقائدية التي حدثت إبان السبعينيات، ومدى تغلغل التيارات الإسلاموية المتطرفة والمتشددة في أنسجة هذه الأصعدة وخاصة الصعيد الاجتماعي، الأمر الذي أسهم في تفكيك وتفتيت لحمة الأسر المستقرة في بيوتها قبل هبوب عاصفة هذه التيارات الإسلاموية المدمرة، والتي طالت مختلف أوجه الحياة في المملكة العربية السعودية، بما فيها بيوت الله، ونموذجنا إلى ما نذهب إليه، حركة جهيمان العتيبي التي اقتحمت الحرم المكي الشريف بغية إعلان المهدي المنتظر زعيما للأمة الإسلامية من أدناها إلى أقصاها، والتي تمت مقاومتها من قبل الأمن السعودي حتى أجهضت تماما، وإن ظلت بعض تأثيراتها سارية في بعض الاتجاهات الدعوية المتطرفة التي حاولت بشتى السبل إسباغ العادات الإسلامية المتطرفة على مختلف تفاصيل الحياة. 

لقد تمكن القصبي في هذا المسلسل الضخم، أن يسلط الضوء على أدق تفاصيل الحياة السعودية إبان السبعينيات، ويمعن مبضعه في جسدها ليشرح أهم الإشكالات التي غفلت عنها أو تجاهلتها السلطات في حينها، ظنا منها بأنها إشكالات عابرة لا ضرر فيها ومنها وغير مؤثرة، وقد تمكن القصبي في هذا المسلسل أن يشخص ويبرز مختلف التناقضات والصراعات التي طفرت وطفت بوضوح فاقع على سطح المجتمع السعودي إبان هذه الفترة، كاللجوء إلى الفكر اليساري دون وعي بأسباب الانتماء إليه، والهروب إلى المخدرات بشره غير عادي، والزواج غير المسئول، والدعوية الفوضوية، والفساد وغيرها من القضايا، وكل هذه التناقضات يتحمل عبئها في الغالب خالد الطيان الذي يقوم بأداء دوره الفنان ناصر القصبي. 

وقد تجلى هذا المسلسل من خلال إخراج درامي يجوس واقع تلك الفترات بعمق، ويبتعد قدر الإمكان عن الاستعراض المجاني الذي لجأت إليه كثير من مسلسلات رمضان هذا العام، واقفا على الضرورات الفنية التي من شأنها أن تشكل عملا دراميا يقترب من روح المشروع الإبداعي المغاير الذي يظل أثره راسخا في أذهان ونفوس المتلقين أو المشاهدين، بوصفه أحد أهم الأعمال الدرامية التلفزيونية التي قدمت في فضائياتنا الخليجية والعربية، بل لعله (العاصوف) الذي من شأنه أن يسهم في تغيير مساحات التعاطي مع الدراما كفكر وفن في خليجنا العربي. 

نعم مثل هذا المسلسل الضخم والاستثنائي الذي يستحق عليه طاقم عمله كل التحية والإشادة والثناء، سيواجه بالكثير من ردود الأفعال، ومن مختلف الآراء والاتجاهات، ذلك أنه ألغى أو رمى بحجر كبير في بحيرة الدراما الخليجية الراكدة لسنوات طويلة، والتي تعتاش على قضايا اجتماعية سطحية في أغلبها وليس لها سوى أن تستدر العواطف وتستجديها من منطلق الإثارة فحسب، لذا ستظل مثل هذه المسلسلات عابرة وغير مؤثرة، وكنت أتمنى على أصحاب ردود هذه الأفعال الوقوف مليا على القضايا الساخنة والملحة التي تناولها وطرق أبوابها هذا المسلسل الضخم، بدلا من التعلق بهوامش الأمور بوصفها جوهرا للقضية، كما كنا نتمنى على بعضهم تناول هذا المسلسل بشفافية بعيدة كل البعد عن المنحى الأيديولوجي أو العقائدي أو الشخصي المفضوح، وأعتقد أن أي عمل فني لا يخلو من بعض السلبيات أو الهنات أو الوقوع دون قصد في بعض فخاخ رؤية المعالجة أو التناول، ولكن الأهم من كل ذلك هو كيف نسهم في رصف مسارات جديدة لتجاوز مثل هذه الأمور، ولعلني أستغرب من بعض من وصف العمل بـ(التمطيط) وهو الذي يرصد حقبة صعبة ومركبة وإشكالية وتحتاج إلى تقصي أكثر مما قد ظهر عليه، ولكن وكما يقال، مثل هذا الرأي لا يعدو كونه صادرا عن (أستيكا) تريد أن ترى العمل بقياسها هي، كما أستغرب أيضا من (تحسس) خطأ لفظ (الكلية الأمنية) بدلا من (قوى الأمن الداخلي)، وهي في نهاية الأمر تقود إلى كونها مدرسة أو كلية للدراسة الأمنية، وقس على ذلك لهجة أهل الرياض التي وضعها البعض في قائمة الانتقادات على المسلسل، بدلا من وقوفه على القضايا الملحة والتاريخية التي تناولها هذا المسلسل، وكان لمثل هؤلاء أن يفخروا بأن مثل هذا التاريخ (المسكوت عنه) لفترة ليست بقصيرة، أصبح في محل حوار وجدل اليوم، بل وسلط الضوء على إمكانية قراءة جديدة ومغايرة لتاريخ المملكة العربية السعودية والتي نتلمس تجلياتها بوضوح شديد في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده قائد الرؤية الجديدة الأمير محمد بن سلمان آل سعود. 

إن مثل هذا العمل الدرامي الضخم، يرقى إلى أن يكون عملا دراميا ملحميا، نظرا لما تناوله من قضايا مهمة وكبيرة، ولعل أهمها حادثة الحرم التي تناولها بجرأة وجسارة وسلط الضوء عليها ولأول مرة منذ حدوثها في سبعينيات القرن الماضي، وأثار من خلالها جدلا ساخنا طويلا وخلاقا بين السياسيين والمفكرين والفنانين والمؤرخين والباحثين، وهو جدل يحسب للقصبي، هذا الممثل المنتج المشاكس والاستثنائي في الدراما الخليجية، ولأسرة مسلسله الرائعة حقا والمنتقاة بعناية شديدة، ولمخرجه المبدع المثنى صبح، ولـ (mbc) ممثلة في واجهتها الإنتاجية الخلاقة الوليد بن طلال، ولمؤلفه الكبير عبدالرحمن الوابلي ومن أكمل مهمته في السيناريو بعد رحيله. 

إن هذا المسلسل الدرامي الملحمي الذي حصد جائزة أفضل مسلسل خليجي في أكثر من استفتاء إعلامي، أصبح من وجهة نظري أنموذجا دراميا خليجيا طرق قضايا ربما عانت منها كثير من دول الخليج العربي، وليست المملكة العربية السعودية فحسب، خاصة فيما يتعلق بإرهاب الإسلام السياسي الذي استشرى في جسد مجتمعاتنا الخليجية إبان تأسيسه في دول أخرى، والذي لا يزال أثره واضحا وبأشكال مختلفة وأنياب ومخالب أكثر شراسة ربما من قبل، ومن هنا تكمن أهمية هذا المسلسل.. 

فمن القلب نزف أول تهاني العيد لأسرة مسلسل (العاصوف)، وكل عام وأنتم بألف خير..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها