النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

دموع تيريزا مي !

رابط مختصر
العدد 11008 الخميس 30 مايو 2019 الموافق 25 رمضان 1440

شهقت تريزا مي بكلمتها الاخيرة تصاحبها دموع الحسرة والاحباط، قبل أن تغادر منصة مجلس النواب، لتترك تلك الدموع «التاريخية» قصص اللوعة والخبث والمكر والدناءة في عالم السياسة، تلك الدموع استوقفتني ليس لأن النساء والرجال لا يبكون أو ليس من حقهم البكاء واستخراج تلك اللوعة من العمق الداخلي لسطح الخارج، فالنساء عادة سريعات البكاء حينما يفيض بهن الكيل، وهذا ليس عادة انسانية سيئة او مرفوضة مستنكرة، غير انها حينما تكون تعبيرًا عن «البكاء السياسي!» لشخصية سياسية، وامرأة في أعلى منصب في اقدم امبراطورية استعمارية وفي اعرق الاحزاب البريطانية خبثا ودهاء هو حزب المحافظين.

من يتقلد منصبا سياسيا كمنصب رئيس الوزارء ويحرك كالدمى ساسة ذكور من خلفه في مجلس فلا بد أن تكون في موقع السلطة والسطوة والقوة، بحيث بئر دموعها قد جف، وحرارة قلبها الشفاف في عالم السياسة قد تجمد وتجلد وبات فظا نشفت عروق الدم فيه، فنحن علمتنا الحياة أن حقل وميدان ممارسة السياسة لا ينسجم ويستقيم مع مجال العاطفة والشفافية الشعرية والانسانية المرهفة، فرجال ونساء الساسة كثيرا ما يتخذون قرارات الحرب والسلم ويوقعون على اوراق الموت والدمار على مدن وقرى آمنة تقصف بالقنابل وتحرق البيوت على رأس الاطفال والابرياء، قرارات السياسة تحتاج للممارسات العقلانية الصارمة، والموضوعية والمنطق وحسابات المصالح قبل أن تسرب إلى دموع قلب السيدة الغنية المخملية في حفل جمعية خيرية، حيث تنهمر دموعها مع حالة الاستماع للقصص الرومانسية عن الانسانية المعذبة. كان من حق تيريزا مي أن تبكي وتبكي بعمق سواء على خيبتها او حسرتها أو ندمها أو اي خليط من اكسير تلك العواطف الانثوية، كل ذلك أمر مشروع لوكانت تيريزا مي امرأة عادية من وسط اجتماعي عادي نلتقيه في مجرى الحياة ونهرها، غير أن تيريزا مي التي وقفت أمامنا هي رئيسة وزراء بريطانيا «العظمى!» بريطانيا التي سادت وهيمنت على اوسع رقع العالم جغرافية وشعوبا، تلك الامبراطورية المتجسدة في تيريزا مي كانت في لحظتها المنهارة، تذكرني ببكاء الامبراطورية المنهارة، امبراطورية الافول التاريخي منذ بداية القرن العشرين، امبراطورية البكاء ذاك، يذكرنا ببكاء عرب الاندلس وزفرة العربي عبدالله الصغير في غرناطة، وزاد من دموع «السيدة تيريزا» انها تودع الاتحاد الاوروبي بحسرة العاجز المكسور وكأنما ببكاء تيريزا هذا تنطفئ آخر شمعة من شموع الامبرطورية العظمى في القارة الاوروبية.

اعتبرت تيريزا مي ثاني امرأة بريطانية تتقلد مركز رئيسة الوزراء في بريطانيا بعد السيدة مارغريت تاتشر، ولكن بين السيدتين بونا شاسعا في صرامة الادارة والحكم والمتابعة، فعالم السيدة تاتشر خال من الدموع، كما ان الدموع لا تنسجم وتتوافق مع عالم السياسة، ولا تناسب مقولة ابكي يا وطني الحبيب عند الملمات والازمات، هكذا تميزت تاتشر بقسوتها وحديدية قلبها حتى اطلقوا على تسميتها «بالمرأة الحديدية!».

وبذلك نكون امام سيدتين تقلدتا نفس المنصب وفي نفس البلد ولنفس الحزب، بيد أن دموع «مي» مختلفة عن مساحيق مارغريت، والتي تغنى بها شعراء الزمن الغابر بمطلع «قفا نبكي» من ادنبرة ولندن! البكاء مشروع في نهاية المطاف مثلما الانتحار بطلقة مسدس مشروع عند الهزيمة، هكذا ترك لنا «عبدالله الصغير» وهو يسلم مفاتيح غرناطة ويوقع صك التنازل وقبل المغادرة صعد ربوة تطل على غرناطة، وسميت تلك الربوة «زفرة العربي» ثم اجهش بالبكاء فصرخت به امه عائشة الحرة قائلة مقولتها الشهيرة والتي صارت مثلا لصرامة المرأة وخنوع الرجل: «ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال».

من قالت ابك كالنساء لابنها امرأة فحمل هذا التناقض قوة المرأة وضعف الرجل في زمن اعتاد فيه الرجال بكاء النساء فقط عند لحظة الضعف والانهيار.

هنا بدت عائشة الحرة قوية حديدية مثل مارغريت تاتشر فيما كان ابنها عبدالله اقرب الى موقف تيريزا مي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها