النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

فوضى «التواصل الاجتماعي»:

هل يمكن ترشيد الحرية من دون المساس بالحرية؟؟

رابط مختصر
العدد 11007 الأربعاء 29 مايو 2019 الموافق 24 رمضان 1440

كتبنا أكثر من مرة في مثل هذه المساحة، عن المخاطر الداهمة للحروب القادمة عبر الفضاء الإلكتروني الذي ليس له حدود تحده، أو قوانين تردعه، أو مدونة مهنية توجهه، أو حتى قيم تمنعه من التعدي على الخصوصية، أو إثارة الفتن أو المساس بالثوابت الجامعة للمجتمع، أو الاضرار بالسلم الأهلي، من خلال استخدام هذه الوسائل بشكل عشوائي غير رشيد في غالب الأحيان من أشخاص أو كيانات حقيقية أو وهمية مقنعة. 

فالإنسان صنع الإعلام ووسائله الجديدة وتطبيقاته المدهشة في سياق التطور التقاني الهائل وعولمة الاقتصاد، وتسهيل عمليات التواصل والاتصال في كافة المجالات الإعلامية والمالية والعسكرية والعلمية، حتى أصبح الإنسان أسيرا لذلك كله، وباتت هذه الوسائل تعيد صناعته وتشكيل حياته ومواقفه وقيمه. فالإعلام الجديد-كما يقول مارشال ماكلوهان الفيلسوف الكندي-بات يسيطر على حياة الشعوب، ويؤثر على فكرها وتوجهاتها وسلوكها وحتى في مؤسساتها. والناس أصبحوا يتأثرون بهذه الوسائل بشكل يفوق الخيال، إلى درجة انها أصبحت توجه السلوك الإنساني وردود أفعاله. ومما زاد قوة هذا التأثير هذه الوسائل التقنية الجديدة والفعالة التي جعلت الفرد يتجاوز البيئة الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تحيط به، وصار العالم باتساعه هو عالمه اللامحدود، وهذا أحد الوجوه المغرية والمشجعة على التحرك بلا حدود وبلا ضوابط، مع ضمان الإفلات من المحاسبة في أغلب الأحيان، خاصة في ضوء تقنيات التخفي.

لقد أدرك الجميع خطورة الاستخدام السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي والتي قليلا ما تستخدم بشكل إيجابي، خاصة ونحن نجني بعض الثمار المرة لذلك التوتير القادم من خلالها، وخاصة عبر الإفراط في الاستخدام من دون مسؤولية. وبالإمكان الرجوع إلى المواقع والمنتديات الإلكترونية لنجد أنها مثخنة بهذه اللغة التي أسهمت بشكل كبير في بناء متاريس وخطوط نار بين الأفراد والجماعات، خاصة في ظل هيمنة أفكار تصور باستمرار صراعات على غير صورتها الحقيقية، وتفتعل خلافات على غير مضمونها الحقيقي، ولذلك تم خلق جو خانق مشحون بالتحريض والأكاذيب والمزايدات والترويج المتبادل لأفكار مقاتلة، عبر التوتير الإلكتروني والإعلامي والاجتماعي والسياسي. 

ولذلك كان لابد من إيجاد حل لوقف سيل التجاوزات أو الحد منها على الأقل، وذلك بوضع النقاط على الحروف، وتوضيح الخطوط الفاصلة بين الحرية والمسؤولية. فكما أن حرية الرأي هي من أوكد الحقوق وأكثرها حيوية بالنسبة للجميع، فاحترام القانون هو أساس العيش المشترك والسلم الأهلي. والمتابع لما يحدث حاليا في الفضاء الإلكتروني من نشر وبث لمواد وصور وشعارات وشائعات، وأخبار وتقارير، تجمع في الغالب بين الكذب والتحريض، والتعرض للأفراد أو الجماعات، تصيبه الحيرة من قوة هذه الهجمات الطاحنة لانتهاك الخصوصية، والتشويه والتحريض، مع الاستعداد الدائم للاعتداء على الآخرين، وإن كان المعتدى عليه شريكاً في الوطن، أو في أخ في الدين أو صنو في الإنسانية، لا فرق!.

المهم عندهم هو إلحاق الخزي والعار والأذى بالآخرين، بغض النظر عن مدى صحة المعلومات التي يجري تداولها (فلا أحد تقريبا يهتم بالمصداقية ولا أحد يهتم بالحقيقة أصلا)، المهم هو إنزال الهزيمة بالخصوم الأيديولوجيين، والقتال بلا هوادة-بلا أخلاق-بلا حدود – بلا منطق، من خلال القصف الإلكتروني المستمر، أسماء حركية ووهمية وراء ما يكتب، رموز وألقاب تذكرنا بالحروب الأهلية.

على صعيد الحلول يتساءل البعض عن الكيفية التي يمكن الحد من خلالها من المخاطر المتزايدة لهذه الحروب الجديدة التي تتعرض إليها العديد من البلدان، فتسهم في إلحاق إضرار جسيمة ببنيانها الاجتماعي، وباستقرارها ونمائها الاقتصادي. فهل يمكن الحديث عن ضرورة ترشيد الحرية، من دون الوقوف في موقع معاد للحرية نفسها؟

ألا يمكن أن يفضي العمل على «ترشيد» الحرية، إلى التضييق على الحريات العامة والخاصة؟ 

وهل يمكن الحديث عن الترشيد عمليا، في ظل السماوات المفتوحة وثورة الاتصال التي أنهت احتكار الإعلام والمعلومة، وأنهت أي قدرة على التحكم في المدخلات المعرفية والمعلوماتية ومخرجاتها، فما بالك الإمكانيات الهائلة للبث وأدواته؟

إن ممارسة الحرية، تواجه بالحدود التي يفرضها القانون، أو التي يرسمها العرف، وإذا كان صحيحا أن كل ممارسة للحرية، تقع تحت طائلة القانون، وأن المتاح للمساءلة والمحاسبة وإدارة النقاش العام حول القضايا العامة -في هذه الحالة- يتضاءل، وربما ينعدم. ولكن ممارسة الحرية يجب أن تخضع في النهاية للقانون وللضبط الاجتماعي، بوضعها على محك اختبار المسؤولية، وبالتالي يتم ترشيدها بالقانون وبالوعي وبالثقافة وبالقيم، حتى تكون بحق خلاقة ومفيدة للأفراد وللمجتمع معا. إذ لا يعقل في جميع الأحوال أن تكون ممارسة الحرية خارجة عن القانون والأعراف، فتؤدي بهذه الصورة إلى الفوضى. فالحرية، لا تعني أن السلوك حر في فضاء غير محدود، فكل سلوك رهن بالبيئة والمواقف والمجتمع والقانون والأولويات والثوابت، هكذا نفهم الحرية.

ومن هذا المنطق، وفي الطريق إلى البحث عن مداخل موضوعية للمعالجة الجدية لمثل هذه الظاهرة، لا بد من مقاربة متوازنة وموضوعية، ولابد من الاعتراف بأن التطور الهائل في وسائل الاتصال يجعل عملية السيطرة عليها شبه مستحيلة بل وعقيمة، ولكن مع ذلك لابد من التأكيد على 3 مداخل قد تكون مهمة في معالجة هذه الظاهرة المتفاقمة لأجل قطع الطريق على الاقتتال عبر المنصات الالكترونية المشوشة:

- أولاً: تعزيز وتطوير الجانب التشريعي القانوني ليكون مواكبا لهذا التحول الهائل في مجال الاتصال، مع عدم المساس بالحقوق المستقرة في مجال حرية التعبير في إطار القانون.

- ثانياً: نزع فتيل التوتر السياسي - الاجتماعي قدر الإمكان، بما يحد من تأثير بؤر التوتير الداخلية والخارجية، وهذا يستدعي المعالجة السياسية الفكرية والاجتماعية للمشكلات المتراكمة ولآثارها السلبية. 

- ثالثاً: تعزيز الجانب الاقتصادي - الاجتماعي باعتباره الشرط الأساسي لضمان نجاح الديمقراطية، وانعكاس ثمارها العملية على المواطنين. 

- رابعاً: تعزيز الحوار الإعلامي والفكري والسياسي في سياق يعزز المنطق العقلاني ويستبعد الأفكار المتطرفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها