النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

مازالت العجرفة هي سمة الدولة العظمى

رابط مختصر
العدد 11006 الثلاثاء 28 مايو 2019 الموافق 23 رمضان 1440

ظاهرة الدول الكبرى أو العظمى، ليست جديدة، بل هي ملازمة للإنسان منذ أن تشكل المجموع البشري تحت سقف تنظيم سياسي موحد، أي الدولة. والدولة العظمى تتسم بصفات وسلوكيات حسب الزمان والمكان، وطبعاً الزمان يمثل العنصر الأهم في تحديد مسلك الدولة العظمى مع بقية الدول المحيطة. كانت الدولة العظمى في محيطها شبه -الضيق، في عصور ما قبل لقاء الشرق بالغرب. فالدولة السومرية والآشورية وأخواتها، والدولة الفرعونية، والصينية وغيرها كانت عظمى في وسط دول الجوار، في ذاك الزمان عندما كان الغرب غرباً والشرق شرقاً بعد لم يتداخلاً، واول تداخل كان بين الدولة الفرعونية مع آسيا الوسطى، تركيا اليوم في حروب على منطقة الشام، وأهم من هذا التداخل كان الاحتكاك المعرفي والثقافي بين الدولة الفرعونية ودولة الاغريق، تداخل سلمي، وكذلك الحال بين الاغريق والسومريين. أما التداخل الذي خلق إمبراطوريات عظمى على المستوى العالمي، فكانت نقطة انطلاقته الحملة العسكرية العالمية التي زرع بذورها كورش الفارسي، وتعاقب بعد ذلك الرد المقدوني بقيادة الاسكندر، ومن ثم قيام الإمبراطورية الرومانية والساسانية والعربية، ومازال الحبل على الغارب، تقريباً الكل أخذ دوره في تبوؤ مكانة الدولة العظمى او الامبراطورية العالمية... واليوم بعد تطاحن الإمبراطوريات وسقوطها وبروز إمبراطوريات جديدة على يد شعوب جديدة، فإن الإمبراطوريات مازالت تتوالى في دورة حياتية، امبراطورية آفلة وأخرى صاعدة. العصر الحديث، منذ عصر النهضة في بدايات القرن السابع عشر، ظهرت الامبراطورية البريطانية والتي كانت توصف في عهدها الذهبي بالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، إلا أن الشمس ليست رهينة لأماني البشر، وكانت امبراطورية ذات فارق نوعي عن كل الإمبراطوريات السابقة، وقد تولدت الامبراطورية الامريكية من رحم الامبراطورية البريطانية، وهي الأعظم، الى هذا الزمان، بين كل الإمبراطوريات السابقة. وهذه الامبراطورية الأعظم في التاريخ البشري، رغم التغيير النوعي في المسلك الإمبراطوري مقارنة بكل الإمبراطوريات السابقة، إلا أن سمة العجرفة، والسلوكيات النابعة منها، مازالت هي الخيط الرفيع الذي تشترك فيه جميع الإمبراطوريات، منذ كورش في القرن السابع قبل الميلاد الى ترامب اليوم، وكأن العجرفة هي الصفة الملازمة، لزوم ما يلزم، للإمبراطوريات على الرغم من الزمان والمكان.

واليوم، بعد خبرة بشرية تتخطى 2500عام مع الإمبراطوريات، فما زالت الدول العظمى لها مكانتها العظيمة في أذهان الناس، ولها اعتباراتها من الهيبة النابعة من الاحترام، الاحترام النابع من الهيبة والمصلحة والأمن، في المجتمع الدولي، الاحترام لمكانتها العظيمة، فهي السيدة بين بقية الدول، والهيبة لقدراتها وتأثيراتها المادية والمعنوية. ودولة عظمى في القرن الواحد والعشرين غير دولة عظمى في قرون ما قبل الوسطى مثل الإمبراطورية الرومانية التي كانت تصول وتجول وتعبث بالجغرافيا وبالشعوب وتنهب وتسبي وتستعبد وتنشر الرعب بصنوف المجازر والمحارق، وكانت تعيش في نهايات البربرية، في نظام اجتماعي مزيج من العبودية والإقطاعية، لم تطأ أقدامها مرحلة الحضارة، تلك كانت أمبراطورية عظيمة بمقاييس زمانها، ولكنها أمبراطورية الرعب والخزي والعار بمقاييس زماننا، زمان الحضارة في مراحل نضجها ورونقها. ومن المفترض أن تكون الدول العظمى في زماننا الحضاري هي راعية الحضارة بكل أبعادها الفكرية والثقافية والإنسانية والوجدانية الى مقاماتها الأخلاقية الراقية، وبالنتيجة تكون راعية التقدم والتقارب بين الشعوب بثقافاتها المختلفة وداعمة للسلام العالمي والأمن والأمان لجميع البشر، ولكن هذه الحضارة تعيش مأزقاً تاريخياً حتمته مقتضيات التاريخ المادي للبشرية، وهذا المأزق يتمثل أساساً في التزامن بين المرحلة الرأسمالية والطور الحضاري، فللرأسمالية روح لا تتسق بالكامل مع روح الحضارة، وعدم الاتساق بينهما يتجلى في التضارب بين الطبيعة الذاتية والأنانية للرأسمالية من جهة والطبيعة الجماعية والتعاونية للحضارة، وخاصة في مراحل نضج الحضارة وبروز الأفكار الإنسانية الراقية التي تدعم وترعى حقوق البشر، والأنظمة الاجتماعية التي تدعو الى التقدم والرقي وترعى العدل والمساواة وحفظ كرامة الإنسان في كليته وليس في إنتقائيته الفئوية أو الطبقية. 

الدولة العظمى التي تستعيش من وتعيش على آليات النظام الرأسمالي لا يمكنها أن تخفي نزعة الأنا البربرية فيها، وبربرية الأنا في مجمل سلوكها، فدولة عظمى وفي طور الحضارة وفي ظل نظام رأسمالي لا يمكنها إلا أن تشمر عن عضلات سواعدها لتظهر لدول العالم ولشعوب العالم أنها القوة العظمى التي يجب أن يرضخ لها الكبير قبل الصغير، وهي ترى نفسها خارج حدود القانون، وتضفي على نفسها معصومية ضد موجبات الأخلاق ولوازمه، ولم يتبق لهذه العظمة على الأرض سوى إعلان الألوهية، فمثلما في السماء إلٰه خالق، فعلى الأرض إلٰه مدبر... 

فلا عجب في ظل هذا المأزق التاريخي أمام الحضارة أن نكون شهوداً على ممارسات من دولة عظمى تتسم بعنجهية بربرية (أخت العجرفة) تتدنى إلى مستويات البلطجة والفهلوة وشقاوة القبضايات في حارات الدول الفاشلة، عندما تبث وسائل الإعلام إلى مسامعنا خبرًا مفاده أن طأئرة حربية أمريكية من طراز ف 16 تعترض لطائرة مدنية روسية على متنها وزير الدفاع الروسي، فوق بحر البلطيق، فتصدت لها طائرة مقاتلة روسية من طراز سوخوي ٢٧ للمقاتلة الامريكية وأجبرتها على الفرار...!!! وهذا الخبر، رغم قدمه، مثل بين أمثال كثيرة يكشف الستار عن بلطجية القوة، وكل بلطجية لا مبرر لها ولا منطق يسندها... خبر لا يبدو كبقية الأخبار، ولكنه خبر يقين، أمريكا وأخواتها في الناتو يتدافعون سراعا في اتجاه حدود جمهورية روسيا الاتحادية ومحاصرتها واستفزازها ومضايقتها، كل هذا السلوك من دول تتربع على عرش الحضارة والتحضر بعد أن إنهارت وتفككت جمهوريات الاتحاد السوفييتي إلى أصولها الجغرافية-الوطنية وصارت روسيا جغرافية في حدودها الوطني، وهي التي كانت تتزعم مجموعة الدول الاشتراكية، وقبل هذا التفكك كان الوعد الأمريكي بأنها وأخواتها سوف لن تتوسع على جغرافية دول أوروبا الشرقية المحيطة بالجغرافيا الروسية، وكان ما كان من التفكك والتي إقتضته ظروف ذاتية وموضوعية في سياق مادي تاريخي لم يكتمل نضجه لثبات منظومة اشتراكية وليدة في ظل منظومة راسمالية في عنفوان قوتها وسطوتها... ولكن الوعد الأمريكي كان خيانة للحضارة أكثر منه غدرا بالوعد وطعنا بالموعود. 

دولة عظمى تتعمد استفزاز دولة عظمى أخرى، استفزاز من مستويات الشقاوة والبلطجة، ليس على قياس عقول معقدة في تعرجات أفكارها وأشخاص يتباهون بالحضارة والتحضر ويستمتعون بالأدب الرفيع ويتذوقون الأعمال الأدبية والفنية والموسيقية الكلاسيكية الراقية ويتناولون أطراف حديث كلها فلسفات معقدة وأفكار عميقة ويتبجحون بأنهم يمتلكون الحكمة والموعظة الحسنة مثلما حكماء الهند وأنبياء الشرق والمرسلون بكتب مقدسة... هكذا يدعون، وعلى العكس من إدعائهم يفعلون، ولا عجب في ذلك فهؤلاء القوم مازالوا يتوارثون بعضا من الأنا البربرية في مسلكهم بفعل كيمياء النظام الرأسمالي الذي يخدر نفوسهم بأفيون الربح المقدس... 

قوات حلف الناتو تدب دبيب النحل والنمل في مناطق من أوروبا الشرقية على بعد أنظار البصر من حدود روسيا الاتحادية، وهي مازالت تضع يد القوة على مقدرات الشعوب التي لا حول لها ولا قوة، تغزو وتحدث الانقلابات وتغير أنظمة الحكم، وكل هذه البلطجيات من اجل حفنة من بارونات المال في أوروبا وامريكا... 

أما آن الأوان لامريكا القوية جداً جداً أن تنتقل من بلطجة القوة الى قوة الحكمة، ومن خدمة بارونات المال الى خدمة الشعوب وتأمين السلام العالمي والرخاء البشري، وما هذا بالمستحيل، بل هو الأفضل للجميع...

الضعيف، ضعيف النفس، عندما يمتلك قوة يصبح متعجرفاً، بينما القوي عندما تتعزز قوته فإنه ينآى عن العجرفة ويتصرف بحكمة... فما هي نقطة الضعف هذه، التي لم تتمكن الحضارة بعد من معالجتها؟ جزء من الجواب متضمن في متن المقال...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها