النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

تونس عاصمة الثقافة الإسلامية 2019

الشيخ المصلح عبد العزيز الثعالبي

رابط مختصر
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440

 استلمت تونس من شقيقتها البحرين مشعل عاصمة الثقافة الإسلامية للعام 2019، وانطلقت الفعاليات والبرامج في العاصمة التونسية وبعض المدن التاريخية كالقيروان والمهدية ذات العمق التاريخي الإسلامي. ومواكبة لهذا الحدث الثقافي العالمي يليق بنا التذكير ببعض الشخصيات التونسية المعاصرة ذات الأثر الواضح والعميق في الثقافة الإسلامية. ولعل الشيخ المصلح عبد العزيز الثعالبي علم من أعلام الفكر والإصلاح في العالم الإسلامي ممن زاوجوا بين السياسي والديني، وبين المحلي والإقليمي والعالمي في عملهم، للتخلص من الاستعمار وظلمه والرفعة بالمجتمع والرقي به في الوقت ذاته دون التخلي عن هويته الإسلامية. 

نعم هو ذاك الشيخ المصلح عبد العزيز الثعالبي (1876-1944) سياسي ومفكر تونسي، كرس حياته لتحرير تونس من الاستعمار الفرنسي والدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية. كان تونسي الموطن، شرقي الهوى، عربي الهوية، إنساني الانتماء. كان من أوائل الداعين إلى البحث عن تأويل صحيح للقرآن، ومسألة فتح باب الاجتهاد، وتدعيم مبادئ حرية الاعتقاد، والتسامح والحوار بين الحضارات. أليس هو صاحب كتاب (روح التحرر في الإسلام)؟.

لشخصية الثعالبي وجهان متكاملان، حيث انشغل بقضايا بلاده كما انفتح على العالم الغربي والشرقي على حد السواء. فقد انخرط في النضال الوطني مناصرا لزعمائه الكبار من أمثال الشيخ سالم بوحاجب والبشير صفر مؤسس المدرسة الخلدونية التي احتضنت النخبة المدافعة عن الحداثة والتقدم. وقد وظف قلمه الصحفي وامتلاكه لناصية اللغتين العربية والفرنسية خير توظيف، فقد نشر العديد من المقالات التي يعرف فيها بالقضية التونسية ويفضح الاستعمار الفرنسي. كما لم يتردد في انتقاد الشيوخ المتزمتين المناهضين للتحديث والإصلاح، والمتعلقين في مجمل فتاواهم «بالقشور والتفاهات» بحسب تعبيره.

اتصل بالعرب والمسلمين في المشرق على إثر نفيه من قبل السلطات الاستعمارية في أكثر من مناسبة وذلك في رحلة طويلة زار خلالها الهند، ومصر ودبي، وعمان، والبحرين، والكويت، مما ساعده على التواصل مع رموز النهضة العربية والإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ووصل الشيخ عبدالعزيز الثعالبي إلى العراق في صيف العام 1925 واستقر في بغداد محاضراً بجامعة آل البيت.

من أهم مؤلفاته كتاب «تونس الشهيدة»، الذي فضح فيه المستعمر الفرنسي وبين بالأرقام والأدلة نواياه، ما جعل السلطات الاستعمارية تعتبر قارئ ذلك الكتاب وحامله مرتكبا لجنحة تستوجب العقاب. وقد قال محمود أبوالفتح في جريدة السياسة المصرية 16/‏5/‏1926: (إن مكانته في تونس هي مكانة سعد زغلول في مصر، وإنني لا أنسى الثعالبي في باريس العام 1919 في عاصمة فرنسا يثير الأرض والسماء على فرنسا في تحرير تونس، يثير أحرار الفرنسيين على سياسة الاستعباد).

وأما كتابه «روح التحرر في القرآن» (1905)، والذي آثر أن يصدره باللغة الفرنسية في باريس ليضمن له رواجا أكبر، فقد مهد له بالعديد من الدراسات والأبحاث خاصة في العقائد والفقه والفلسفة الإسلامية. وكان يرجع فيه تخلف المسلمين عن ركب الحضارة إلى ما سماه بـ «جذور ذاتية في دينهم»، منتقدا ظواهر التزمت السائدة لدى بعض شيوخ جامع الزيتونة.

لقد شغل الشيخ عبدالعزيز الثعالبي الدنيا وملأ الناس، خاصة حين طالب في كتابه روح التحرر في القرآن بضرورة مد الجسور الثقافية والحضارية مع أوروبا، ومحاربة الأفكار التي تدعو إلى تجريم وتحريم ربط العلاقات مع (النصارى) باعتبارهم (كفاراً)، ففي الفصل الذي حمل عنوان: (التسامح في الإسلام)، كتب الشيخ الثعالبي: «فالقرآن يوصي بالتسامح إلى أقصى حد ممكن في الأمور الدينية، كما يوصي بحرية الفكر، واحترام جميع الآراء، ويستنكر أي اعتداء على المعتقدات، سواء منها الفردية أو الجماعية، وعلى الناس أن يهتدوا عن طرق الإقناع الذاتي فلا يجوز أن تفرض عليهم الآراء، ولكن الذي ينبغي أن يؤديه اقتناعهم هو حرية الاختيار والمقارنة بين الحق والباطل حسبما يمليه عليهم التأمل وإعمال العقل».

لقد كان الشيخ الثعالبي مستنير الفكر مؤمنا بالعقل لذا هاجم في كتابه مروجي البدع، والأفكار التي «تشوه طبائع المسلمين، وتوهن عزائمهم، وتشل إرادتهم، وتفقدهم روح المبادرة، وتعطل الحياة الحضارية بواسطة نشر الأوهام والجهل والتعصب» على حد قوله.

وفي إطار دعوته إلى التسامح والعيش المشترك، ينفر الثعالبي من التفرقة والتمييز بين المسلمين على أساس مذهبي وطائفي (سني وشيعي) ولتفادي ذلك يدعو إلى «إزالة المذاهب والقضاء على الملل والنحل بالعودة إلى الأصول واستلهام الينابيع الأولى وببناء نظرية جديدة متحررة للعقائد تحتكم إلى العقل وتتفق مع الطبيعة وتقدس حرمة النفس والمال والحياة وترعى المصالح والحقوق العامة للناس»

ويؤكد الثعالبي أن الإسلام أشاع روح التسامح والتآخي وحذر من الكراهية والبغضاء والتقاتل وفي هذا يقول الثعالبي: «ينبغي أن تتمثل المبادئ العامة للدين الإسلامي المقامة على حب الغير والتسامح.» وحارب الثعالبي الفكر التكفيري وأرجع انتشاره إلى اقتصار بعض الفقهاء على «تفسير المأثور بالمأثور والتعويل على الأحاديث الموضوعة والسيرة المشوهة لتأويل القرآن» دون الاعتماد على العقل أو العودة الى الواقع الحضاري واختبار هذا التأويل على محك التجربة التاريخية للأمة. 

خلاصة القول إن الثعالبي يعتبر التكفير سبب التعصب والتباغض، والتمذهب سبب الفرقة والضعف. ولعمري إن كل هذه الآفات قد تعاظم خطرها وازداد انتشارها في عصرنا يوما بعد يوم حتى لتكاد تأخذنا إلى الهاوية إن لم تأخذنا بعد! فكيف لنا اليوم برجل حكيم رشيد مثل الشيخ الجليل عبدالعزيز الثعالبي؟.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها